تعریب کتاب "جون سبوى تشنه" (د/ أحمد موسى)

القسم الأول : عصر الصحوة (الثورة الدستوریة)

نظرة تاریخیة :

 کانت وثیقة الثورة الدستوریة التی وقّع علیها فی الأخیر مظفر الدین شاه فی۱۴جمادى الآخر من سنة ۱۳۲۴ﻫ مکسباً للنهضة السیاسیة و الاجتماعیة التی عرفتها صحوة المجتمع الإیرانی بفعل تأثیر عوامل ثقافیة و اجتماعیة و اقتصادیة متعددة،أهمها تتلخص فی النقاط التالیة :

1.  ضرورة الاهتمام بالعلم و الفنون الجدیدة التی أفرزتها إلى حد ما الحروب الإیرانیة الروسیة بقیادة عباس میرزا فی عهد فتحعلى شاه قاجار.

2.   تردد الإیرانیین على الدول الأوروبیة و إطلاعهم على التطورات العلمیة و الفنیة و السیاسیة الجدیدة فی الغرب،و بالخصوص إرسال البعثات الطلابیة للدراسة فی الخارج[1].

3.    انتشار الطباعة بوصفها أهم وسیلة إعلامیة یمکنها المساهمة فی الانتقال السریع و الشامل للأفکار.

4.    رواج الصحف و المطبوعات بصفتها وسیلة الإعلام المهمة فی انتشار الأخبار فی أقل مدة ممکنة.

5.    حرکة الترجمة و نشر الکتب و الآثار الثقافیة التی تخول لعموم الناس الإطلاع على ما یعرفه الغرب من تطور و تقدم.

یمکن الإشارة فی هذا الصدد إلى الکتب التالیة المترجمة من اللغات الأوروبیة إلى اللغة الفارسیة :

تاریخ طر الکبیر،شارل الثانی عشر،الإسکندر المقدونی،لولتر.و الروایات التاریخیة و العلمیة المشهورة : ثلاثة مسلحین،کنت دومونت کریستف و لویس الرابع عشر و الخامس عشر،لألکساندر دوما[2]،تلماک لفنلن،روبنسون کروزوای لدانیال دفو،سفر الیور لجنتان سویفت،و أخیراً سیرة حاجی بابا الإصفهانی لجیمس موریه التی ذاع صیت ترجمتها الفارسیة على ید میرزا حبیب الإصفهانی.

6.    تأسیس مدرسة "دار الفنون" و نشر العلوم الحدیثة الذی یعدّ فی حد ذاته تمهیداً للتربیة و التعلیم وفق المناهج الجدیدة.

و فی الأخیر تأسیس الجامعة فی الأدوار اللاَّحقة.

 کان الإحساس بالحاجة إلى مثل هذه المؤسسة الحدیثة موجوداً قبل سنوات،و بالأخص فی عصر عباس میرزا.لکنه لم یدخل حیز التنفیذ إلا فی عهد وزارة أمیر کبیر.اهتدى هذا الأخیر إلى فکرة تأسیس مدرسة "دار الفنون" بعد سفره إلى روسیا (شوال ۱۲۴۴ﻫ) و زیارته للمدارس الهندسیة و الصناعیة هناک.کان یرى أمیر کبیر أن تکون هذه المدرسة عسکریة و هندسیة فی آن واحد حتى تلبی احتیاجات دولته النامیة.و قد اتخذ قراره النهائی بشأن تأسیسها سنة ۱۲۶۶ﻫ،أی السنة الثالثة من تربع ناصر الدین شاه على العرش.و قد افتتحت بصورة رسمیة فی ربیع الأول من سنة ۱۲۶۸ﻫ أی بضعة أشهر بعد عزل أمیر کبیر من مهمته.

 

٭     ٭     ٭

بالنظر إلى العوامل التی ذکرناها و بالخصوص ما اتخذه أمیر کبیر من تدابیر حکیمة و تقدمیة یمکن القول أن الصورة الثقافیة للمجتمع الإیرانی –و هو على عتبة الثورة الدستوریة- قد تغیرت بشکل کلی،حیث کانت جماعات من المثقفین تعمل على ترسیخ تیار الحداثة الاجتماعیة و الثقافیة عن طریق ما کانت تنشره من مقالات و آثار،و على الحرص على إطلاع عموم الناس على الظواهر الحدیثة و مظاهر الثقافة العالمیة المتطورة و الراقیة بوتیرة سریعة.

ینقسم هؤلاء إلى مجموعتین : مجموعة المثقفین الناشطین فی الداخل أمثال :رضا قلى خان هدایت،محمد حسین خان اعتماد السلطنة المعروف ب:صنیع الدولة،محمد طاهر میرزا،میرزا على خان أمین الدولة،یوسف خان مستشار الدولة...و مجموعة الفاعلین خارج إیران و قد هجر أغلبهم الوطن على إثر الأوضاع السیاسیة و الاجتماعیة المتردیة،نذکر منهم : عبد الرحیم طالبوف صاحب المؤلف المشهور "کتاب أحمد" و "مسالک المحسنین"،حاج زین العابدین المراغی مؤلف "سیاحتنامه إبراهیم بیک"،میرزا ملکم خان صاحب العدید من الرسائل النقدیة و مدیر صحیفة "قانون"،میرزا فتحعلى آخوندزاده الکاتب المسرحی و الناقد المعروف صاحب الآثار و الرسائل النقدیة المتعددة،و فی الأخیر سید جمال الدین أسد آبادی و تلمیذه میرزا آقا خان کرمانی اللذان کانا یزاولان أنشطتهما السیاسیة و الانفتاحیة خارج حدود إیران.

 أبدى بعض هؤلاء الناشطین تحمساً و شغفاً کبیراً للنهل من الثقافة و الحضارة العالمیة و مظاهرها،و کانوا یأملون أن تتخلى إیران بسرعة عن أصالتها و تلتحق برکب الحداثة و المعاصرة الغربیة،نخص من بین هؤلاء بالذکر: آخوندزاده،ملکم خان و میرزا آقا خان کرمانی.

 و قد مهد هذا الإفراط فی الاستیاء من العوامل الکلاسیکیة المانعة للتقدم –و الذی کان یعد أحیاناً إعراضاً عن القیم الأصیلة و العقائد الشعبیة- لظهور فکرة الاستغراب فی المجتمع الإیرانی،بحیث ظهرت على الساحة السیاسیة الإیرانیة مجموعة من التیارات تبنت هذا التوجه و استطاعت الوصول إلى مجلس الشورى الوطنی و نجحت فی تضییق الخناق على التیارات المذهبیة و حماة القیم القومیة و التقلیدیة.

 لا یمکن بحال من الأحوال إنکار تأثیر رجال الدین الشیعة فی الحرکات الاجتماعیة فی العصر القاجاری الأول،خصوصاً و أنهم کانوا یشرفون على الجماعات المذهبیة،و من بینهم التجار بصفتهم محرک الاقتصاد فی البلاد،إذا أضفنا إلى هذا مساعی بعض الأشخاص لمقاومة الاستبداد و دعوة کل الأمم الإسلامیة للإتحاد،و على رأسهم جمال الدین أسد آبادی،و کذلک مقاومة میرزا الشیرازی لحادثة تحریم الدخان(رجی)[3] فی عهد ناصر الدین شاه،فإنه یلزم القول بأهمیة فعالیات القوى المذهبیة فی النهضة الدستوریة.لکن رغم کل هذا یبدو أن هذه النهضة نجحت قبل أن تصل إلى درجة من النضج،و هذا ما حذا بها إلى السقوط فی داومة الاستبداد.

 توفی مظفر الدین شاه بعید توقیعه على وثیقة الثورة الدستوریة و خلفه ابنه المستبد محمد علی میرزا.لم یستطع هذا الأخیر الذی کان وفیاً لحکومة روسیا القیصریة التفاهم مع المتحررین،و قام بقصف مجلس الشورى الوطنی فی جمادى الأولى سنة ۱۳۲۶ق،و على إثر هذا الحادث قتل عدد من المتحررین فی حدیقة الملک.

سمیت هذه الفترة التی استبد بها محمد علی شاه فی الحکم (ثلاثة عشر شهراً و بضعة أیام) ب: "الاستبداد الصغیر".استطاع المتحررون طیلة هذه المدة أن ینشطوا فی تبریز و نواحی أخرى من البلاد،و بوصولهم إلى طهران جمادى الآخر من السنة الموالیة اضطر الشاه الذلیل أن یطلب اللجوء إلى روسیا القیصریة.فعزله مجلس الشورى و نصَّب مکانه نجله الیافع أحمد میرزا الذی لم یتجاوز ربیعه الثالث عشر.و بهذا تکون الثورة الدستوریة الفتیة قطعت مراحل مهمة من المقاومة الوطنیة و الشعبیة و خطت خطوة کبیرة نحو المستقبل.

شعر عصر الصحوة :

لم تکن مرحلة التحول التی عرفها الشعر و الأدب فی عصر الصحوة مسبوقة فی أدوار تاریخ الأدب الفارسی کله إلى حدود تلک الفترة.سبقت هذه المرحلة تغیرات متعددة شملت الجوانب الثقافیة و الاقتصادیة و الاجتماعیة.

اکتسب الشعب مجموعة من الحریات و وعى بحقوقه السیاسیة و الاجتماعیة و تمکن من اختیار نوع الحکومة التی تعبر عنه و اقتنعت أغلب فئات الشعب،و إلى حدٍّ ما الفعالیات السیاسیة داخل المجتمع بمبدأ حق الشعب فی تقریر مصیره،کما ساد الوعی الاجتماعی..و نتیجة لذلک ارتبط کل شیء بالمجتمع و الشعب،و الأدب شأنه شأن مظاهر الفکر و الثقافة الأخرى توجه إلى الشعب و عکس قیمه الاجتماعیة.لذا ینبغی الحدیث عن شعر هذه المرحلة بوصفه شأناً عاماً و متعلقاً بشرائح واسعة من المجتمع و لیس بصفته ظاهرة جمالیة مقتصرة على النخبة المثقفة،فالشعر فی هذه الفترة قطع صلاته بالبلاط و الطبقات الراقیة فی المجتمع و اتصل بمخاطبیه فی کل بقاع البلاد بفضل الصحافة المتعددة و المتنوعة و عمل على إیصال خطابه السیاسی و الثوری إلى کافة أفراد المجتمع الإیرانی.

 

٭     ٭     ٭

یمکن تلخیص خصوصیات شعر عصر الصحوة فی النقاط التالیة :

1.      لقد تعمم شعر هذه الفترة و اتسعت دائرة شمولیته،و أصبح فی متناول المجلات و الصحف بوصفه لغة النهضة المؤثرة.

2.  لقد تبلور فکر شعراء عصر الصحوة بفعل الأحداث التی عایشوها،و عموماً فقد تغیرت نظرة الشعراء و الکتاب إلى العالم الخارجی من الشمولیة و الکلیة و الذهنیة إلى الجزئیة و النسبیة و العینیة،فقد کان العالم فی أعین أغلب الشعراء القدامى ظاهرة جامدة و مفتقدة للحرکیة و الدینامیکیة بحیث کانت مرکزیة العالم و تبعیة بقیة الکائنات لها هو التصور السائد وذلک طبق النظریة التقلیدیة لبطلیوس.لذا فقد ترسخ فی ذهن الشاعر أن کل شیء کامل و فاقد للحرکة الجوهریة و بعید عن مسار التحول و التجدد.فی مثل هذه الآداب کان محظورٌ على الشاعر تجاوز القوانین القدیمة و العدول عن الحدود التقلیدیة و ممنوعٌ علیه النظر إلى العالم الخارجی باستقلالیة و من منظار تجاربه الشخصیة.المضامین الأخلاقیة و الاجتماعیة فی الأدب الکلاسیکی کلیة فی الأغلب،و تفتقد إلى المصداق،و الأوصاف الطبیعیة محددة و متماثلة.و فی الشعر الغنائی یوصف المعشوق -فی الأکثر الغالب- بصفات عامة تفتقد إلى الهویة الفردیة.أما فی عصر النهضة و الصحوة فالعکس هو الذی حصل،فالشاعر فی ظل تأثیر التغییرات و الأفکار العالمیة الجدیدة تمکن من کسر جدار السنن و التقالید و التحرر من ربقته الکلاسیکیة لینظر حول أطرافه نظرة مستقلة،و من ثمَّ فإن الاعتقادات و المسلمات من قبیل ما کان یُشاهد فی الآداب الکلاسیکیة لم یعد لها مکان فی شعر عصر النهضة الدستوریة بل باتت رؤى الشاعر إلى الحیاة تتمیز بالجدیة و الغائیة و الواقعیة الملموسة.

3.  من حیث البناء الفنی،أی اللغة و الموسیقى،فإن شعر عصر الصحوة اتخذ شکلین مغایرین و متفاوتین نسبیاً : فمجموعة من الشعراء أمثال : أدیب الممالک فراهانى و محمد تقی بهار(ملک الشعراء) ظلوا أوفیاء للغة القدیمة بما تنطوی علیها من جزالة و صلابة،و معتمدین على العروض و الموسیقى التقلیدیین.و ثلة أخرى من أمثال : سید أشرف الدین کیلانی(نسیم شمال) و میرزا عشقى و عارف قزوینی ممَّن لم یکن لهم معرفة تامة بموازین الأدب الکلاسیکی اختاروا اللغة العامیة (لغة الزقاق و السوق) و استطاعوا بفضل حماسهم أن یتبوءوا المکانة المناسبة لدى عامة الناس.

4.  کانت لغة العوام (الزقاق و السوق) تتطلب مفردات خاصة بها،لذا فإن شعر الفئة الثانیة من الشعراء عرف تسرب مفردات و تعابیر و موسیقى عامیة لم یکن من الممکن تصور نفوذها إلى شعر الفئة الأولى.هذا القاموس لم یستغرب استعمال الکلمات الأجنبیة (الأوروبیة) التی تسربت بکثرة ولأول مرة فی تاریخ الأدب الفارسی و لا زال الکثیر منها یستعمل إلى یوم الناس هذا.

5.  لم تعرف الأخیلة و الصور الشعریة تغییراً کبیراً فی عصر الصحوة.یمکن ملاحظة نماذج لهذه الأخیلة على سبیل المثال فی مقطعات میرزاده عشقى (سه تابلو مریم[لوحات مریم الثلاث]).نلحظ بشکل جلی التقید بقوالب الشعر الکلاسیکی المعروفة عند کل من بهار و أدیب الممالک فی حین یقل استعمال ذلک عند الفئة الثانیة من شعراء عصر النهضة.یمیل الفریق الأول إلى صیاغة الشعر فی قالب القصیدة و الغزل و المثنوی[4]،أما الفریق الثانی فیستعمل القوالب الحدیثة کالمستزاد و المخمس و الدوبیت المتصل و الترانة و التصنیف

/ 0 نظر / 11 بازدید