الشعر الفارسی فی مرحلة التجدید، نیما یوشیج نموذجاً

 

الشعر الفارسی فی مرحلة التجدید، نیما یوشیج نموذجاً

د/ أحمد موسى

نشر هذا المقال فی مجلة تحقیق، التی یصدرها قسم اللغة الفارسیة وآدابها فی کلیة الدراسات الشرقیة بجامعة البنجاب فی لاهور بباکستان. 

یعتبر شعر الثورة الدستوریة (المشروطة) (1906-1908م) والشعر المعاصر عموماً استمراراً للحرکة المنطقیة للشعر الکلاسیکی الفارسی فی العهد الجدید. فبالرغم من التفاعل الذی طبع الأدب الفارسی المعاصر والثقافة والأدب الغربیین وتأثر الأول بالثانی، إلا أنه احتفظ بطابعه وصبغته الإیرانیة. ولعل أفضل تعبیر نصوِّر به علاقة الأدب المعاصر بالأدب والثقافة الکلاسیکیتین، هو تعبیر "الأبوة والبنوة"، فذاک الأب بدون هذا الابن یبقى عقیماً، وهذا الابن بدون ذاک الأب یضحى عدیم الأصل. لذلک یمکن اعتبار شعر ثورة المشروطة استمراراً للمسار الذی قطعه الشعر الفارسی طیلة قرون و عصور طویلة. فتارة بثَّ – فی شکله الحماسی - فی جسد الثقافة الجریح روح الأمل والاستقلال والهویة والحریة، وتارة قرّر حکایة غربة الإنسان فی العالم السفلی، وأحیاناً أخرى کان بلسماً شافیاً لروح الناس بتوجهه الجدی نحو العشق الإنسانی الطاهر...والیوم فی عصرنا یجدر به ربط الاتصال بالإنسان معلناً عن ولادة جدیدة.

    و لو أردنا التعرَّض لبعض الخصوصیات الأساسیة الفکریة والثقافیة للإیرانیین والتی أبعدتهم عن     الأدوار الکلاسیکیة، لنرى ما هی مشخصات وممیزات الثقافة الإیرانیة فی الفترة المعاصرة لاستطعنا تحدید ذلک فی الخصائص التالیة :

  1. 1.     نبذ القدیم أو التقلید :

بنظرة مجملة فی الظروف الاجتماعیة والثقافیة ندرک أن نبذ القدیم هو خصوصیة أساسیة میَّزت الثقافة الإیرانیة المعاصرة. وتتجلى آثار هذه الخصوصیة فی کل مستویات الثقافة وطبقات المجتمع. فعلى سبیل المثال فقد انکسرت الحکومات التقلیدیة. ففی السابق لم یکن للشعب أی دور فی اختیار الحاکم، أما الیوم فلم یعد الأمر کذلک. کما طرأ التغییر على شکل القوى السیاسیة، فلم یعد أصحاب القوى السیاسیة من المسئولین أو القائمین على المصالح یُنعتون ب"سایه خدا"[1] (ظل الله). کما تجلت هذه الخصوصیة فی العلاقات الاجتماعیة أیضاً. فإذا کانت المرأة فی القدیم موجوداً متواریاً عن الأنظار، فهی الیوم لم تعد کذلک. یمکن أن نلاحظ هذا أیضاً فی السلوکیات الجماعیة والعادات والتقالید الجدیدة، بدءً من لباس کل من المرأة والرجل ووصولاً إلى السلوک المتحضِّر والمنفتح.

إذن فقد ظهرت فی الأدب المعاصر الإیرانی ونخص بالذکر الشعر، موضوعات ومضامین لم تکن مطروقة فی الألفیة السابقة بأکملها. موضوعات کحقوق الشعب على الحکومة والحریة بالمعنى السیاسی للکلمة والتعلیم والتربیة الحدیثة والقومیة والتعصب للوطن، وموضوعات أخرى من هذا القبیل. لذلک یمکن القول أن نبذ التقلید الذی بات خصوصیة ذاتیة فی الثقافة المعاصرة تجلى أیضاً فی نظم الشعر.

  1. 2.     السرعة :

الخصوصیة الأخرى للثقافة الإیرانیة المعاصرة هی السرعة، فالسرعة هی النتیجة الأولیة لمکننة الحیاة. ففی القدیم کان تغییر خصوصیة ثقافیة یستغرق عشرات السنین إن لم نقل المئات، أما الیوم فأصبح التغییر و التحول یقع بوتیرة سریعة جداً.

ویکفی إلقاء نظرة على التحولات الثقافیة خلال الخمسین سنة الأخیرة فی إیران لندرک مظاهر هذه السرعة فی میدان الثقافة والاجتماع. لکن قصدنا فی هذه المقالة هو بیان هذا المسار فی نطاق الأدب، فمن علامات هذا التغییر فی الأدب والشعر على وجه الخصوص هو اهتمام القراء والکُتَّاب والشعراء وتوجههم نحو قوالب أدبیة قصیرة لا یستغرق قراؤها وقتاً کثیراً. فالیوم لا طاقة لأی شاعر على نظم ستة دفاتر مطولة کما فعل جلال الدین الرومی فی المثنوی  أو قرض ستین  ألف بیت على شاکلة الشاهنامة، و حتى إذا وُجد من یفعل ذلک فلن یجد من یقرأ عمله. لهذا السبب أصبحت الیوم الأشعار والقصص القصیرة أهم القوالب الأدبیة الرائجة. ذلک لأن نفسیة أهل الثقافة و ذهنیتهم تأثرت بعامل السرعة الذی ذکرناه.

  1. 3.     تغیر الرؤى والعقائد :

لقد غیَّر التعامل مع الغرب فی الفترة المعاصرة أسس رؤى ومعتقدات الإیرانیین. ففی الفترة الکلاسیکیة – کما یبدو من الآثار الأدبیة – کان التوجه والاهتمام بالدنیا مخالفاً للقیم والمبادئ، خاصة فی الفلسفة الصوفیة، فأشیاء من قبیل المال والجاه والمقام کانت تعتبر من العوائق المانعة لوصول الإنسان لدرجة الکمال.

فقد کان الإنسان یبنی للیوم الآخر ویعمل للدنیا الأخرى وتتضح هذه العقیدة بجلاء فی الحیاة الدنیویة (نیم نانى مى رسد تا نیم جانى در تن است) أی : نصف کسرة خبز تکفی لتبقى الروح فی الجسد.

لکن فی الفترة المعاصرة تغیر تعریف ومنزلة الإنسان فی الوجود جذریاً. فإذا کان الإنسان فی القدیم یُعرَّف على أنه حیوان ناطق أو حیوان عاشق، فالیوم أصبح الإنسان حیواناً سیاسیاً. فالسیاسة والقوة السیاسیة تحتل من الإنسان الیوم مرکز الریادة وکل المعادلات. إن "الإنسان فی الدنیا" الیوم محط الاهتمام ولیس "الإنسان فی الآخرة" أو "الإنسان فی سماء الفناء الصوفی".

حتى مفاهیم من قبیل "العشق" أصبح لها تعریفها الخاص فی العهد الجدید یتفاوت کلیاً مع تعریفها فی العهود القدیمة، فالمعشوق الیوم هو ذاک المعشوق الأرضی، وهو فی مفهومه المتعالی والسامی عبارة عن تلک المفاهیم السامیة مثل العدالة والإنسانیة ولیس هو ذاک المعشوق العلوی الذی لا یصله أحد. لقد نزل العشق من السماوات والأفلاک إلى الأرض واتخذ لنفسه لوناً أرضیاً..وکل هذا یتجلى بوضوح فی الشعر المعاصر..

  1. 4.     تغیُّر الذوق الجمعی :

النتیجة الأولى لتغیر الرؤى والعقائد هی بلا شک تغیر الذوق الجمعی للإنسان المعاصر أو الحدیث، فنظرة سریعة إلى نوع اللباس وطریقة التزیّن للرجال والنساء على حد سواء، وکذلک أسلوب العمران والمدن ومقارنة ذلک بالسابق یُظهِر بجلاء التغیر العمیق الذی طرأ على الذوق الجمعی للإیرانیین فی العهد الحدیث (الفترة المعاصرة). ولیتضح هذا التغییر أکثر نقوم بمقارنة خصوصیات المعشوق فی الأدب الکلاسیکی بالمعشوق فی الأدب الحدیث بجنسیه الشعر والسرد. ففی الأدب الکلاسیکی کان شَعر المعشوق أسوداً دائماً وطوله یصل حتى الصین، وثغر المحبوب کان بصغر نقطة وقوامه یشبه شجر السرو وخدوده منتفخة ووردیة اللون، وحرکاته تشبه حرکات الغزال، وکان هذا المعشوق بعید المنال وغارقاً فی هالة من القدسیة والإبهام بعیداً عن الجنس...لکن المعشوق فی الأدب المعاصر له خصوصیات متفاوتة تماماً. إن المعشوق الکلاسیکی لا وجود له فی شعر ولا فی المجتمع الیوم. فإذا کان الذوق الجماعی للقدماء فی الأدب یستحسن آهات ومعاناة العاشق المؤلمة وتعالی المعشوق، فإن جیل الیوم یعتبر هذا السلوک من قبیل الاختلال الروحی والنفسی. لقد تحول فضاء الأدب الکلاسیکی النیر إلى عالم مظلم فی الشعر والأدب المعاصرین. ویکفی لمعرفة ذلک مقارنة نسبة الألوان الفاتحة والقاتمة فی الأدبین القدیم والحدیث. لذلک فإن الذوق الجمعی للأدباء المعاصرین – والذی یُعبِّر عن ذوق وسلیقة المجتمع بأکمله – ینطوی على أشیاء جمیلة لم تکن کذلک فی الشعر الکلاسیکی والعکس صحیح، وتبرز أهمیة هذا الموضوع فی دراسة صور الأخیلة فی الشعر المعاصر.

  1. 5.     کثرة الالتزامات وقلة الوقت ووفرة التسلیة :

وهذه کذلک خاصیة من خصوصیات الثقافة المعاصرة التی ظهرت مع تغیر حیاة الإنسان من حیاة زراعیة إلى صناعیة آلیة. فإذا کان القدماء یقضون لیالی الشتاء الطویلة فی قراءة الشاهنامة وسائر الأنواع الأدبیة لسبب قلة المشاغل ووفرة الوقت وانعدام التسلیة، فإن حیاة المدینة والصناعة والآلة کسَّرت کل هذه المعادلات وأحدثت نظاماً جدیداً غیَّر الإنسان تغییراً کبیراً حتى أصبح مثل الآلة. وقد أثَّر کل هذا على الآثار الأدبیة کلها دون استثناء.

  إن التطورات التی شهدتها إیران بعد عام 1921م تمخضت عن أدب وشعر جدیدین، سُمی فیما بعد بالشعر "النیمائی"[2] نسبة إلى نیما یوشیج الشاعر الإیرانی المعاصر موضوع الدراسة فی هذه المقالة، ولعله من نافلة القول أن نشیر إلى أن میزان شعر نیما یوشیج یتوزع على عدة أمور:‏

أولاً : الانطلاق من الشعر الکلاسیکی وقیوده التی فرضت نفسها على الساحة الأدبیة فی إیران لمدة إحدى عشر قرناً.‏

ثانیاً: إن هذه المرحلة ممزوجة بمعترک الحیاة الاجتماعیة والسیاسیة والثقافیة بحیث لا یمکن انفصامها، ومن یرید الولوج إلى أدب عصر النهضة فی إیران یفرض علیه تتبع هذه الفترة من تاریخ إیران ونشاطها فی مختلف المیادین عن کثب، وأن یأخذ بعین الاعتبار الانفتاح السیاسی على أوربا فی العصر القاجاری، ولاسیما عهد عباس میرزا (نائب السلطنة) وکذلک الحروب الروسیة الإیرانیة[3].‏

أضف إلى ذلک حدوث الثورة الدستوریة وما انبثق عنها من نتائج إیجابیة، نلخص أهمها فیما یلی:‏

  • تداعیات الحرب الروسیة الإیرانیة وضرورة الانفتاح على تکنولوجیا متطورة وعصریة.‏
  • النهوض لتعلم العلوم والفنون العصریة إثر الجهود التی بذلها عباس میرزا.‏
  • الانفتاح على العالم الجدید وتبادل الوفود الطلابیة وغیر الطلابیة.‏
  • انتشار صنعة الطباعة.‏
  • انتشار الصحف والمطبوعات.‏
  • ترجمة وطبع الکتب المترجمة من اللغات الأجنبیة.‏
  • تأسیس مدرسة دار الفنون[4].‏

إذن على إثر انتشار الحریات و المبادئ الدیمقراطیة فی إیران وشیوع التعلیم فی کل أنحاء إیران انبرى الأدباء والشعراء لمشارکة الشعب فی أفکارهم وترکوا الأدب السلطانی (أدب البلاط). ونستطیع القول أن الشعر والأدب قد تغلغلا فی حیاة الناس فعلا.‏

إن الحیاة الاجتماعیة والسیاسیة الجدیدة انبثقت عنها کلمات ومصطلحات طغت على الساحة الأدبیة، وأکثرَ الأدباء من استعمالها وعلى سبیل المثال نذکر المفردات التالیة : آزادى (الحریة)، وقانون، ووطن، و مصطلحات أخرى تنتمی إلى حقول التعلیم العصری والعلوم والتکنولوجیا المتطورة. وقد ألقت هذه التطورات الاجتماعیة التی شهدتها إیران بعد ظهور واستقرار الثورة الدستوریة بظلالها على کافة مناحی حیاة الإیرانیین، بحیث لم یقتصر تأثیرها على المؤسسات الاجتماعیة والاقتصادیة بل طال أیضاً الأفکار والعقائد والآداب والتقالید.‏

و حسب الدکتور إسماعیل حاکمی فإنه یقسِّم المجموعات الشعریة لعصر المشروطة منذ انطلاقة بوادر فکر الحریة حتى السنوات المتزامنة مع 1882م وما بعدها إلى أربع أو خمس مجموعات یجعل شاعرنا نیما یوشیج على رأس المجموعة الثالثة التی برزت فی أواخر هذا العصر والتی تمیز أعضاؤها وأنصارها برؤیة أعمق للأمور والقضایا من الأبعاد الاجتماعیة وکذلک إلمامهم بالجوانب الفنیة للشعر لاسیما من زاویة الإطلاع على التطورات الأدبیة فی أوربا فإنه یمکننا أن نتصور أن عدد هذه المجموعة قلیل جداً لکن تأثیره اتسم بأهمیة بالغة. وهذه المجموعة تضم إضافة إلى نیما أبا القاسم لاهوتی، وشعراء آخرین، وهؤلاء یجب تسمیتهم ب "میسرة شعر المشروطة" فی القضایا الاجتماعیة وفی أصول ومبادئ نقد الشعر.‏ بدأت هذه المسیرة مع إنشاد وظهور أشعار مثل (افسانه: الأسطورة) لنیما یوشیج وما تزال مستمرة حتى الآن. لقد وسع "نیما" دائرة التجسیدات والأوصاف وقرب الشعر لطبیعة البیان وواقع الحیاة. ورغم أن "الأسطورة" کانت وصفاً لأوضاع الشاعر وبیاناً لتفاصیل محل ولادته لکنها فی نفس الوقت تعد انطلاقة فی مضمار الشعر الفارسی الجدید.‏

ولد سهراب سپهری عام 1928م فی مدینة "کاشان" و تخرج عام 1953م من کلیة الفنون الجمیلة بطهران. نشأت رغبته فی الرسم موازیة لرغبته فی الشعر، حیث کان بالإضافة إلى إصدار مجامیعه الشعریة یقیم معارض لرسومه فی مختلف أنحاء طهران، وفی بعض الأحیان کان یقیم أمسیات شعریة فی هذه المعارض :

اهل کاشانم

پیشه ام نقاشى است

گاه گاهى قفسى مى سازم با رنگ، مى فروشم به شما

تا به آواز شقایق که در آن زندانى است

دل تنهایى تان تازه شود.

ﭼﻪ خیالى، ﭼﻪ خیالى،...مى دانم

ﭘرده ام بى جانم است.

خوب مى دانم، حوض نقاشى من بى ماهى است[5]

الترجمة :

من کاشانَ أنا

مهنتی الرسمُ

أصنع أحیاناً قفصاً بالأصباغ، أبیعه لکم

لیُمتع قلبکم

بأغانی الشقائق المحبوسة فیه

أیُّ خیال، أیُّ خیال،...أعلمُ

أنَّ لوحتی لا روح لها.

أعلمُ جیداً أن حوض لوحتی خالٍ من الأسماک.

ترکیب الشعر والرسم فی روح سهراب ﺳﭙهری المنعزلة والتواقة إلى نوع من العرفان الحدیث یُکسب شعره شفافیة الإحساس والدقة والفنیة، وأیضاً یکسب لوحاته نوعاً من الإخلاص الشعری.

 یبتدئ دیوان "الحجم الأخضر" بشعر "رسالة الأسماک" فتفتقد أشعاره طبیعتها الواقعیة وتنحو نحو السریالیة. لکن فضاءه السریالی یفتقد لأی قیمة رمزیة، وینطوی على وجود روح کلیة فی الأشیاء والطبیعة ودوران تناسخی فیها. فهو فی هذه المجموعة صاحب حس عال تکتسی فیه مدینته الفاضلة شکلاً ذهنیاً..

 إذن من أهم ممیزات شعر سهراب : الخیال اللاَّمحدود، و نوع من السریالیة الأنیقة، والبحث عن الصلات بین الأشیاء والمفاهیم من منظار شاعری ممزوج بالخیال.

 رحلات سهراب إلى الغرب والشرق وزیارته روما وأثینا وباریس والقاهرة وتاج محل وآغره وطوکیو تعتبر سلوکاً روحیاً، تأمل فیه سهراب فی الأرواح والأنفس، أکثر ممّا جاب فیه العالم.

 قبل أن یقصد سهراب الهند والیابان کان یألف التفکیر البوذی والسلامة العرفانیة للقدماء، فقد أدت هذه الرحلة إلى تعمیق الفتنة ورغبته. وفی الأخیر أکسبت فنَّه مساراً عرفانیاً ومتطهراً.

 وقد أکسبته رحلته إلى الیابان التی کانت بهدف تعلّم النحت على الخشب أشیاء أخرى. إذ نرى أجواء قصائده تشبه أجواء شعر "الهایکو" الیابانی.

و إذا ما کان سهراب راضیاً بموروثه وممتلکاته، وإذا کان ملتزماً بمحیطه ومدینته، فهذا من تأثیر هذه الرحلات.

 ونزعة سهراب إلى الطبیعة بارزة بوضوح فی شعره ورسومه، لأنه أقبل على الطبیعة فی حیاته، وتجنّب من حوله، هؤلاء الذین ربما یمتلک القلیل منهم الصفاء والنقاء الإنسانی الأمثل :

به سراغ من اگر مى آیید،

نرم و آهسته بیایید، مبادا که ترک بردارد

ﭼینى نازک تنهایى من[6] .

الترجمة :

إذا جئتمونی،

فتعالوا بلطف و هدوء

مخافة أن تنفطر زجاجة وحدتی الرقیقة.

  رغبة سهراب بفن ومدارس الشرق الأقصى الفنیة والفکریة شیء واضح، وقد واکب هذه الرغبة بوعی من خلال ولعه بالبحث والدراسة فی الفلسفة والأدیان، کما عُرف عنه فی الخمسینیات بأنه رسام متجدد. مع أنه قد ابتدأ کتابة الشعر فی نفس هذه الفترة. صدر دیوانه الأول "موت اللون" فی عام 1951م، وفی عام 1953م صدرت مجموعته الثانیة تحت عنوان "حیاة الأحلام". وأصدر عام 1961م مجموعتین هما "أنقاض الشمس" و"شرق الحزن". فی هذه المجامیع کان واضحاً صدى تأثیرات "نیما یوشیج" رائد الشعر الفارسی الحدیث، لکن فی مجموعاته الأخرى "وقع قدم الماء" و "المسافر" وخاصة فی "الحجم الأخضر" لا نسمع صوته المألوف، وقد رأى البعض فی آخر قصائد سهراب تشابهاً بلغة "فروغ فرخ زاد"[7] الفکریة.

 طُبعت دواوین سهراب عام 1978م فی مجموعة واحدة، إضافة إلى دیوان لم یصدر من قبل بعنوان "نحن لاشیء، نحن نظرة" تحت عنوان "الأسفار الثمانیة".

  لقد لاقى شعره فی أوائل عهده الرفض والانتقاد، وذمَّ الشعراء النقاد التقلیدیون شعره وأسلوبه، ووصفوه بأنه إنسان سلبی وغیر مسئول ومنصرف عن المجتمع والناس. لکن سهراب استمر بإبداعه بعیداً عن هذا الصخب.

 کان سهراب لا یعبأ بأحکام الآخرین، کان یعلم بأن زماناً سیأتی یحظى فیه شعره بالقبول العام، فعمل فی هدوئه، ووهب ما أدرکه بالإشراق الفنی للوحاته، وإلى کلماته الرقیقة کالماء واللطیفة کزرقة السماء.

 أبرز خصوصیة فی شعر سهراب هو امتلاؤه بجوهر الشعر. وفی ذلک میزة قلّما یکتسبها الشعراء بمثل ما اکتسبها هذا الشاعر.

 شعر سهراب مع کونه مجرد من الأوزان العروضیة والقافیة و الردیف[8]، إذ یعتبر أول شاعر إیرانی قام بکسر أوزان العروض القدیمة للشعر الفارسی الکلاسیکی و القائم أساسا على أوزان الخلیل بن أحمد الفراهیدی. ومع ذلک فإن أغلب شعره ینطوی على موسیقى داخلیة. فهو یخلق-باستخدامه الأصوات والکلمات- موسیقى لطیفة، تجعل قصائده متمیزة عن قصائد الآخرین، وهذا الجانب یعیّن قواعد أسلوبه المتمیز.

 إن ترابط الکلمات وتجانس الصور تظهر فی أعماله بشکل بدیع وصاف، وقبل أن تکون هذه الصور قابلة للإدراک فی الطبیعة، تُدرک فی ذهن القارئ ووجدانه، وتمتزج مع إدراکه الإنسانی :

آب را گل نکنیم :

در فرودست انکار، کفترى مى خورد آب.

یا که در بیشه دور، سیره اى ﭘر مى شوید.

یا در آبادى، کوزه اى ﭘر مى گردد.

 

آب را گل نکنیم :

شاید این آب روان مى رود ﭘﺎى ﺳﭙﻴدارى، تا فرو شوید

                                             اندوه دلى.

دست درویشى شاید، نان خشکیده فرو برده در آب[9].

الترجمة :

لا نُعکِّر الماء :

لعلَّ حمامةً فی المنحدر تشرب الماء.

أو فی الأجمة البعیدة طیراً یغسل جناحیْه.

أو فی قریةٍ جرّةٌ تمتلئ ماءً.

لا نُعکِّر الماء :

ربما ینساب هذا الماء إلى صفصافة

کی یغسل حزنَ قلبٍ

ربما غَمَسَتْ یدُ درویشٍ کِسْرةَ خُبزٍ یابسة فیه..

کان سهراب ﺳﭙهری-فی زحام شعراء ما قبل الثورة-شاعراً فذّاً، منعزلا عن صخب المثقفین المتغربین، ویعد الآن المثل الأعلى للفنان الحقیقی، فهو شاعر یستند على قدراته ومواهبه الذاتیة، عاش وحیداً وابتعد کل البعد عن المکر والنفاق والتحایل. کان یمتلک کلما یمتلکه الفنان الأصیل من فضائل.

توفی سنة 1980م إثر ابتلائه بسرطان الدم، ودفن فی مدینة "کاشان".

 اخترنا منظومته "نشانى" (عنوان) لترجمتها وتحلیلها بغیة تعرف القارئ العربی المتذوق على أبعاد شخصیته وطبیعة شعره المتجدد :

نشانى

"خانه دوست کجاست ؟"

در فلق بود که ﭘرسید سوار،

آسمان مکثى کرد.

/ 1 نظر / 34 بازدید
earn1sec

با سلام.... مطالب فوق العاده ای داری ولی می دونستید به راحتی می تونی از وبلاگت پول دربیاری؟ یعنی به ازای هر بازدید از وبلاگ پول دریافت کنی؟ تا 400 هزار تومن در ماه این دو لینک رو ببین: http://earn1sec.mihanblog.com/post/35 http://earn1sec.mihanblog.com/post/12