دراسات وأبحاث مقارنة

الصلات الاجتماعية بين إيران والمغرب  من خلال الرحلات :

رحلة ابن بطوطة في القرن الثامن الهجري نموذجا 

د.ابراهيم القادري بوتشيش

جامعة مولاي اسماعيل - كلية الآداب

مكناس - المغرب

عبر تاريخ الانسانية , كانت الرحلات  أكثر الوسائل التي مكنت من خلق روح التعايش بين الشعوب ، وشكلت جسورا للمحبة والتعارف والتسامح بين مختلف الأجناس والأعراق ، وأداة لتمتين أواصر العلاقات الاجتماعية ، وفتح آفاق بعيدة في مسار حركة التواصل وبناء العلاقات الإنسانية .

        وتعتبر هذه القاعدة أكثر صحة وأدق تطبيقا كلما تعلق الأمر بالشعوب الإسلامية التي كانت تواقة عبر تاريخها إلى ربط علاقات اجتماعية بينها ، خاصة أن التواصل يدخل في صلب العقيدة الاسلامية ، ويشكل حجر الزاوية في بنائها الأخلاقي . وبمجرد أن دخل الاسلام للقارة الافريقية ارتفع إيقاع الصلات الاجتماعية ، فكثرت الرحلات من هذه البلدان الافريقية الى إيران ، كما رحل الإيرانيون نحو هذه البلدان لأغراض متنوعة .

 غير أن ما يهمنا من هذه الرحلات ، يكمن في رحلة ابن بطوطة المغربي إلى إيران، وهي رحلة تجسد أنموذجا للتواصل الاجتماعي بين المغرب وإيران . ولعلّ أهمية هذه الرحلة تكمن فيما تختزنه من صور اجتماعية عن إيران وعن عادات أهلها وتقاليدهم بعيون مغربية .

        ومن المتفق عليه بين الباحثين المعاصرين أن المجتمعات الاسلامية خلال العصور الوسطى تعرضت للتهميش والإقصاء من جانب المؤرخين الذين اهتموا بالحلقات السياسية فحسب ، ومن ثم فإن أهمية رحلة ابن بطوطة تساهم في سدّ هذه الثغرة بما تكشف عنه من نمط حياة المجتمع الإيراني خلال القرن الثامن الهجري ، وعن عاداته وتقاليده ونظمه وعقليته وتحفر في مخزون تراثه ، مما يساهم في إنارة بعض الحلقات المعتمة من تاريخه الاجتماعي.

        وقبل عرض مشاهدات ابن بطوطة في المجتمع الإيراني ، نرى من الناحية المنهجية أن نعرض لشخصية هذا الرحالة المغربي وظرفية رحلته لإيران ودواعيها ، لتأكيد مصداقية أقواله وأوصافه حول الإيرانيين والتي يتضمنها كتابه " تحفة النظار وعجائب الأسفار" .

 

أولا : ابن بطوطة : شخصيته وظروف رحلته إلى إيران :

        هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن ابراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة ( بتشديد الطاء أو تخفيفها ) ، ويلقب بشمس الدين . والراجح أن لقبه اللواتي الذي اشتهر به جاء نسبة الى لواته احدى الفروع الكبرى من قبائل الأمازيغ التي انتشرت بطونها على طول ساحل المغرب الاسلامي المتوسطي (14) . أما اللقب الثاني الذي أضيف اليه وهو الطنجي فيرتبط بمدينة طنجة الواقعة في شمال غرب المغرب الأقصى ، وهي المدينة التي ولد بها في 17 من رجب من عام 703 هـ .

        أما بيئته الأسروية فلا يعرف عنها تفاصيل هامة ، باستثناء اشارات طفيفة وردت في ثنايا رحلته يستشف منها اشتغال بعض أفراد أسرته في وظيفة القضاء (15) .

        وقد أجمع الدارسون لسيرة ابن بطوطة على الطابع الديني للمحيط الذي نشأ فيه . ولا غرو فقد نهل من علوم الدين والفقه ، خصوصا الفقه المالكي ، كما تولى ابان رحلته مهنة القضاء على مذهب الامام مالك ، حيث كان سلطان دهلي محمد شاه بن طغلق قد ولاه مسؤولية القضاء (16) . وكان له ابداع شعري مدح به من أولوه الرعاية والعطاء (17) ، وفي ذات الوقت كان متشبعا بروح التصوف ، ومقتنعا اقتناعا عميقا بالأولياء والصلحاء ، ينهض دليلا على ذلك تهافته أثناء رحلته على زيارتهم والتبرك بهم في كل منطقة حلّ بها .

        ومن خلال قراءة مقدمة رحلته يتضح أنه خرج من مسقط رأسه لبداية مشروعه الديني الذي تحول الى مشروع رحلة كبرى في ثاني رجب من عام 725هـ  ، وهو آنذاك ابن الثانية والعشرين من عمره (18) ؛ واستمر يجوب أقطار المعمور مدة ربع قرن أو تزيد (19) أكمل فيها ثلات رحلات كبرى ، قاطعا بذلك خمسا وسبعين ألف ميل (20) ، أي ما يعادل تقريبا 120 ألف كلم (21) .

        وعند عودته الى أرض الوطن ، أملى بأمر من السلطان المريني أبي عنان ( 849 ـ 859 هـ \ 1348 ـ 1358 م) مشاهداته على الكاتب المريني ابن جزي الكلبي ، وهو سليل بيت من بيوتات العلم بالمغرب (22) ، وانتهى من تدوينها في ثالث ذي الحجة من عام 756 هـ (فبراير 1356م ) (23) .

     وقد وافت المنية ابن بطوطة سنة 770هـ ( 1368/ 1369م ) وهو يتولى آنذاك القضاء بفاس وعمره 67 سنة (24) ، وان كانت رواية أخرى تذكر أنه توفي سنة 779هـ (1377م) (25) .

        والجدير بالملاحظة أنه من خلال استقراء ظروف بيئته ومحيطه العلمي ، لا نستطيع أن نكتشف أن رحلته الى ايران كان وراءها أهداف معينة أو أغراض سياسية أو دعوة لجهة ما ، فالهدف الرئيسي الذي خرج من أجله هو حج بيت الله الحرام كما يشير الى ذلك هو نفسه دون لبس أو غموض (26)  . لكن يبدو أيضا أنه كان يهدف – الى جانب الحج – معرفة البلاد والعباد وتوسيع الأفق والاطلاع على أحوال الدنيا (27) ، وان لم يصرّح بذلك ، فان دافع المعرفة والتشوق لرؤية آفاق العالم كانت كامنة في نفسه . والواقع أن هذا الدافع يمثل قاسما مشتركا بين كل الذين كتبوا في الأدب الجغرافي الاسلامي أو أدب الرحلات مثل المقدسي أو المسعودي وغيرهم (28) . أما التكسب أو(( البحث عن الغنى ))  الذي جعله أحد الباحثين (29) من جملة أهداف الرحلة ، فيبدو غير صحيح . وحسبنا ما عرف به الرجل من زهد وقناعة ، وكان كل ما يحصل عليه من هدايا وأموال ينفقه في سبيل اتمام مشروع رحلته ، والرحلات تحتاج بطبيعة الحال الى تموين .

        ونستنتج من ذلك أن المعلومات التي يوردها حول ايران ستكون - مبدئيا - عفوية وبريئة ، خالية من أي تعصب أو افتراءات .

        وقد وهب الله لهذا الرحالة المغربي - وهو يزور ايران وغيرها من الآفاق - كل الميزات والمؤهلات التي جعلت منه رجلا قادرا على تحمل شروط الرحلة ، اذ كان مثالا نادرا في الصحة وقوة البنية ، وان لم يحل ذلك دون مرضه في مكة عقب الحجة الثانية (30) ، فضلا عن الصبر على تحمل المشاق والشجاعة وسعة الحيلة ، وقليل من العلم والمال ، الى جانب رغبة جامحة في حب السفر والرحلة (31) .

        والجديربالاشارة أنه كان ممنهجا في ترتيب معلوماته ، فكلما دخل مدينة من المدن الإيرانية ، بدأ بوصف عمارتها وزراعاتها وبساتينها ومياهها وأنهرها ووسائل الري فيها ، ثم تحدث عن حاكم المدينة والزوايا والمزارات الموجودة بها ، ليسرد بعد ذلك ما شاهده من عادات الإيرانيين ونظامهم الاجتماعي وعقلياتهم ، لينتقل الى وصف المدينة الموالية ، وذلك بأسلوب سهل لا تأنق فيه ولاتكلف .

        واذا كانت مادته عن الأقطار الأخرى تشوبها بعض الحكايات ذات الطابع الخرافي والعجائبي ، مما يجعلها أقرب الى الأدب الشعبي الأسطوري ، فان نصوصه عن إيران تكاد تخلو من الروايات المهلهلة التي تقفز على ألياف الحقيقة وتخرج على نطاق المعقول ، خلا بعض الاستثناءات التي لا تضر بالسياق العام . فأين نؤطر زمنيا رحلة ابن بطوطة لإيران؟

إن المتتبع لزيارة ابن بطوطة لإيران يلاحظ أنها مرّت عبر مرحلتين :

ـ المرحلة الأولى التي حلّ بها سنة 727 هـ ومكث مدة مستكشفا المجتمع الإيراني . وكانت أول منطقة ايرانية ألقى فيها عصا الترحال هي عبادان ثم مدينة اصفهان ، مرورا بمدن وقرى ايرانية أخرى تقع في الطريق الفاصل بين البصرة واصفهان ، ومن هنالك عرّج على شيراز ثم باقي المدن الإيرانية قبل مواصلة السير نحو الكوفة .

ـ المرحلة الثانية التي زار فيها الرحالة المغربي إيران للمرة الثانية وذلك سنة 748 هـ ابان رجوعه من جاوة ، مرورا بقالقوط وظفار ، حيث دخل في تلك السنة مدينة شيراز ولقي بها الشيخ قاضي القضاة مجد الدين للمرة الثانية بعد احدى وعشرين سنة كان قد قضاها في الهند وغيرها من بلدان الشرق الأقصى ، وقد وجد الشيخ المذكور قد تقدم به العمر وكفّ بصره (32) . وبعد شيراز رجع ثانية الى اصفهان وتستر والحويزاء ، ومن هناك ودّع ايران متجها نحو البصرة  .

ورغم قصر إقامته بالديار الإيرانية ، فإنه قدّم لنا معلومات اجتماعية تعز في المصنفات التاريخية وغيرها ، وذلك من خلال مشاهداته الحية ومعاينته للواقع ، فاختزن في ذاكرته كل ما رآه أو سمعه عن إيران والشعب الإيراني .

وقبل ابراز معالم المجتمع الإيراني كما ورد في رحلة ابن بطوطة ، نشير الى أن إيران كانت تعرف انقساما على صعيد الحكم اذ كان لكل مدينة حاكمها ، وكان الصراع يشتد أحيانا بين هؤلاء الحكام كما يشهد بذلك الرحالة المغربي في رحلته (33) ، الا أن هذه الحالة السياسية المهترئة لم تؤثر على المجال الفكري الذي عرف ازدهارا واسعا كما تشهد على المجالس العلمية التي سنتعرض لها لفي ثنايا هذا البحث  .

        أما على صعيد البنية الفكرية السائدة في المجتمع الاسلامي ابان عصر ابن بطوطة ، فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن القرن الثامن الهجري يمثل بالنسبة للعالم الاسلامي ذروة الطرقية الصوفية التي أفرزت بنية فكرية متخلفة شكلت عصر الانحطاط ، وبرزت كنظام اجتماعي ومؤسسة شعبية تدعمها النظم الاقطاعية العسكرية التي حرصت على تأسيس الزوايا والخوانق والتكايا (34) ، مما تمخض عنه توقف عجلة تطور المجتمع الاسلامي بسبب حالة الجمود الفكري التي فرضها الحكام العرب آنذاك ، حتى أن صورة  الحضارة الاسلامية لاتبدو في محطات ابن بطوطة لامعة كما كانت من قبل (35) .

        ولايخامرنا شك في أن ابن بطوطة ظل أسير الفكر الصوفي الذي ساد عصره ، وهو ما نلمسه من خلال رحلته ، الا أن ذلك لم يؤثر كثيرا على المادة التي يقدمها عن ايران .

        ذلك هو الاطار العام الذي انبثقت منه رحلة ابن بطوطة الى إيران والظرفية التي بلورت توجهاته . فكيف قدم لنا صورة المجتمع الإيراني ؟ وما مدى مصداقية أحكامه عما  شاهده أو سمعه عن الإيرانيين وعاداتهم وتقاليدهم ؟

ثانيا- صورة المجتمع الإيراني كما شاهده ابن بطوطة المغربي :

        بتأمل مشاهدات ابن بطوطة في إيران نكتشف مجتمعا شموليا قائما بسلطانه وحكامه وعامة شعبه . كما نقف على حركيته وأنشطته وأطعمته وأزيائه وكل مظاهره الحضارية الأصيلة . وقد تمكن الرحالة المغربي من الجمع بين طرافة العرض ودقة المعلومات والبراعة في التقاط الصور المعبّرة عن الواقع ، وهو فضلا عن ذلك يبحث في العادات والتقاليد ويسمع الروايات المختلفة ، ويدخل البيوت والمدارس والزوايا ، ويكتشف ما فيها من اطعمة وأثاث وأزياء ، مما يشكل مادة هامة من مواد التاريخ الحضاري . وسنعرض لمشاهداته والصور التي التقطها حول ايران في المحاور التالية :

        على مستوى معمار المدن الإيرانية  :

أمدنا ابن بطوطة بمادة تاريخية وحضارية هامة عن المدن الإيرانية ، فكلما دخل إحداها وصف جوانبها المعمارية ، وما تتميز به من مرافق اجتماعية واقتصادية . وفي هذا السياق وصف مدينة شيراز بأنها (( مدينة أصيلة البناء ، فسيحة الأرجاء ، شهيرة الذكر ، منيفة القدر ، لها البساتين المونقة والأسواق البديعة والشوارع الرفيعة ، وهي كثيرة العمارة ، متقنة المباني ، عجيبة الترتيب )) . كما لم يغفل ذكر مجالها الأخضر من بساتين تحفها من جميع الجوانب ، وأنهار تشفها ، خاصة نهر ركن آباد الذي يتميز ماؤه بالبرودة صيفا والسخونة شتاء(36).

 ومن المظاهر العمرانية التي أثارت انتباه الرحالة المغربي في هذه المدينة الإيوان الذي عزم سلطان شيراز أبو إسحاق محمد شاه ينجو على بنائه اقتداء بإيوان كسرى . وقد حضر ابن بطوطة مرحلة من تأسيسه منذ بدأ حفر أساسه الى أن  بلغ ارتفاعه ثلاثة أذرع، وقدم لنا وصفا لكيفية حفر الأساس من طرف المستخدمين وتنافس هؤلاء في بنائه (37) . وفي معرض حديثه عن مدينة يزدخاص القريبة من أصفهان  ، يعطي انطباعا عاما حول معمارها فيصفها بأنها (( متقنة العمارة )) . وبالمثل ، استرعى انتباهه  الطرق التي تم نحتها في الصخور وسويت مع البسيط رغم وعورة المنطقة الجبلية المحيطة بمدينة أيدج الواقعة بين خوزستان واصبهان (38)بحيث كان بإمكان الدواب أن تصعد بأحمالها رغم صعوبة المواصلات (39).

        ومما أثار إعجاب الرحالة المغربي ما تتميز به بعض المدن الإيرانية من ثروات شجرية كانت تنتج مختلف أصناف الفواكه ؛ وكنموذج لذلك نسوق ما أورده عن مدينة أصفهان حيث يستعرض مجموعة من الفواكه المنتشرة بها كالمشمش والسفرجل المتميز بطيب مطعمه وعظم جرمه ، فضلا عن العنب و البطيخ الذي ذكر أن الإيرانيين يدخرونه بعد تجفيفه ، كما يدخر المغاربة التين (40) .

        وبالمثل أورد ابن بطوطة جباية بعض المدن الإيرانية كما هو الحال بالنسبة لجباية شيراز التي أخبره متولي جبايتها أنها كانت تبلغ عشرة آلف دينار في كل يوم ، أي ما قدره من الصرف المغربي حسب ابن بطوطة نفسه ألفان وخمسمائة دينار ذهبا(41).

والحاصل من هذه النصوص المعمارية أن الرحالة المغربي يقدم مشهدا متكاملا لعمران المدن الإيرانية ومجالها الأخضر ومياهها ووسائل الري ، مما يعكس طابعها الحضاري .

أسواق المدن الإيرانية :

        لقد تجول ابن بطوطة في الأسواق الإيرانية فزودنا بمجموعة من النصوص  نذكر من بينها سوق الفاكهة بشيراز الذي نعته بأنه من (( أبدع الأسواق )) ، بل فضله على سوق باب البريد بدمشق (42) . كما أشار ابان حديثه عن مدينة يزد - وهي من أعمال فارس كما يقرر ياقوت الحموي (43)، فذكر أنها (( عجيبة الأسواق )) (44) . بل ان ابن بطوطة يزودنا أحيانا بأسعار بعض الفواكه المعروضة للبيع في الأسواق كما هو الحال بالنسبة لسوق بلدة كليل القريبة من أصفهان ، إذ يذكر أن التفاح كان يباع في سوقها بخمسة عشر رطلا عراقية بدرهم ، مبيّنا العملة الإيرانية بقوله : (( ودرهمهم ثلث النقرة )) (45).

        ويبدو أن هذه الأسواق عرفت تنظيمات حرفية بدليل قول ابن بطوطة وهو يتحدث عن الحرفيين بسوق أصفهان : (( وأهل كل صناعة يقدمون على أنفسهم كبيرا منهم يسمونه الكلو)) . ويحتمل أن يكون هو النقيب الذي يمثل الحرفيين أمام محتسب الأسواق أو أمام السلطة لرعاية مصالح الحرفيين .

المساجد والزوايا والمدارس الإيرانية :

        نظرا لشدة تدين ابن بطوطة ونزعته الصوفية ، فقد كان حريصا على إيراد مجموعة من النصوص حول المساجد والزوايا الإيرانية ؛ ففي طريقه من البصرة إلى أصفهان مرّ بعبادان ، فأشار إلى كثرة مساجدها وانتشار رباطات الصالحين بها (46) . وعند وصوله إلى أشتركان لا حظ وجود مسجد بديع يشقه نهر (47)، كما شاهد  مسجدا  في بلدة يزدخاص، فذكر أنه مبني بالحجارة ومسقف بنفس المادة . لكن المسجد الذي حظي بحصة الأسد في أوصاف ابن بطوطة تمثل في المسجد الأعظم بشيراز الذي كان يسمى المسجد العتيق . وقد نعته بأنه من أكبر المساجد مساحة وأحسنها بناء ، وبأن صحنه متسع مفروش بالمرمر ، وأنه يغسل كل ليلة خلال فصل الصيف ، ويجتمع فيه كبار أهل المدينة ما بين صلاة المغرب والعشاء (48) .

        وحين كان ابن بطوطة يتجول في اسواق شيراز دخل مسجدا آخر متقن البناء ، جميل الفرش ، وبه مصاحف داخل أكياس من حرير موضوعة فوق كرسي . كما وجد شيخا جليلا يقرأ في مصحف فحاوره ، وتبيّن من خلال الحوار أنه هو الذي عمّره وحبّس عليه أحباسا للفقراء وغيرهم(49).

        ولا يخامرنا شك في أن المساجد الإيرانية كانت تلعب دورا تعليميا وتثقيفيا حيث كانت تلقى فيها الدروس والمواعظ . وقد حضر الرحالة المغربي نفسه بعض الدروس في المسجد الجامع بمشهد الشيخ روزبهان البقلي وهو من أهل شيراز، ألقاها القاضي مجد الدين اسماعيل الذي كان يسمع كتاب مسند الإمام أبي عبد الله محمد بن ادريس الشافعي وكتاب " مشارق الأنوار " لأبي الفضائل الحسن الصائغي (50) .

        أما الزوايا في إيران ، فيتضح من خلال رحلة ابن بطوطة أنها كانت منتشرة بشكل كبير ، إذ لا يكاد الرحالة المغربي يمر من مدينة أو قرية إيرانية إلى أخرى إلا ويجدها متناثرة ، خاصة أن هذه الزوايا كانت تلعب دورا اجتماعيا في إيواء المسافرين واستضافة الغرباء . وفي هذا السياق يقول ابن بطوطة في معرض حديثه عن لقائه بأحد العلماء الإيرانيين : (( وله النظر في كل الزوايا … وأنزلني زاوية تعرف باسم الدينوري )) (51) . ويقول عن زاوية أخرى في مدينة إيذج : (( وفي كل منزل من منازلها زاوية يسمونها المدرسة ، فإذا وصل المسافر إلى مدرسة منها أتى بما يكفيه من الطعام والعلف لدابته )) (52).

        وعندما حلّ بأصفهان ، كان أول ما نزل في زاوية تنسب للشيخ علي بن سهل تلميذ الجنيد ، وهي معظمه عند أهل أصفهان يقصدونها للتبرك بها )) .

        وقريبا من الزوايا ، انتشرا بإيران الرباطات مثل الرباط الموجود خارج بلدة يزدخاص والذي كان ينزله الغرباء والمسافرون (53) . ويسرد ابن بطوطة ايضا عددا من المشاهد المتناثرة في مدينة شيراز ، مثل مشهد الشيخ الصالح زركوب الذي توجد به زاوية لإطعام كل من يقصدها للزيارة ، ومشهد أحمد بن موسى ومشهد الشيخ الصالح المعروف بالسعدي ، ومشهد روزبهان البقلي (54) .

        وحسب مشاهداته ، فإن الزوايا كانت تشتمل على مدارس ، كما كانت بعضها   غير ملحقة أحيانا بالزوايا مثل مدرسة السلاطين التي نزل بها الرحالة المغربي بعد مغادرته مدينة إيدج . وكان ابان خط رحلته الممتد من البصرة إلى أصفهان يمر بعدد من المدارس فينزل بها دون إغفال ذكر اسمها(55) .

        ولعلّ أن أهم مدرسة حظيت بوصف ابن بطوطة هي المدرسة المجدية المنسوبة إلى الشيخ القاضي مجد الدين اسماعيل بن محمد بن خداد الكائنة بمدينة شيراز . فعند لقائه بهذا الشيخ خلال رحلته الأولى ، يذكر أنه التقى به في هذه المدرسة فقام اليه وعانقه وأخذ بيده. وبعد الصلاة قرئ بين يديه كتاب " المصابيح وشوارق الأنوار للصاغاني " ؛ وعند انتهاء الجلسة العلمية صاحبه الشيخ وأنزله بمنزل صغير بالمدرسة ، مما يدل على أن هذه الأخيرة كانت تحتوي على منازل لإيواء طلاب العلم والغرباء على الخصوص (56) . أما بقية المدارس الأخرى فيكتفي ابن بطوطة بذكر أسمائها كمدرسة طاش خاتون أم سلطان شيراز أبي إسحاق المذكور سلفا ، ومدرسة أخرى بنيت إزاء قبر شمس الدين السماني (57) .

        فضلا عن المدارس ، ورد وصف الحمامات الإيرانية ولو في اشارة واحدة لدى ابن بطوطة عند حديثه عن زاوية الشيخ علي بن سهل بأصفهان ، حيث ذكر أن بها (( حمام عجيب مفروش بالرخام وحيطانه بالقاشاني )) (58) ، والراجح أن جل الحمامات الإيرانية كانت على هذه الشاكلة ، وهي على كل حال نموذج مصغر لطراز الحمامات الإسلامية .

فئات المجتمع الإيراني :

الطبقة الحاكمة :

        كان ابن بطوطة بارعا في وصف النخبة الحاكمة والوقوف على أسماء الحكام ، فهو يذكر أن أمير مدينة أيدج ابان دخوله إليها كان هو السلطان أتابك أفراسياب بن السلطان أحمد (59). أما سلطان شيراز فيسهب في ذكر تفاصيل هامة عنه ، فيذكر اسمه الذي هو أبو اسحاق بن محمد شاه ينجو ،  ويثني على سلوكه فينعته بأنه (( من خيار السلاطين )) ويصفه بأنه (( حسن الصورة والسيرة والهيئة ، كريم النفس جميل الأخلاق ، متواضع صاحب قوة وملك كبير )) ، ثم يعطي إحصاءا حول عساكره فيقدرها بخمسين ألفا من الترك والأعاجم . ويذكر أنه كان لا يقرّب إليه سوى أهل أصفهان لعدم ثقته في أهل شيراز الذين أقصاهم من دائرة الحكم ، ومنع عنهم حمل السلاح تخوفا منهم وتحرزا ، وكل من وجد بيده السلاح كان يتعرض لأشد العقوبات . وقد شاهد الرحالة المغربي مشهدا يؤكد صدق أقواله إذ رأى رجلا مكبلا من عنقه ، فلما استقصى خبره أبلغ بأن اعتقاله  كان بسبب حمله قوسا  خلال الليل . وفي نص آخر يذكر أنه كان لهذا السلطان مصيف خاص يروح به عن النفس ، وهو المصيف المعروف بقراباغ (60).

والراجح أن هذا الأخير كان يتزوج بعدد من النساء كما تشير الى ذلك رواية ابن بطوطة حول قاضي شيراز مجد الدين اسماعيل ، وما أظهره من كرامة بهرت سلطان شيراز الذي أدخله الى داره ، وأمر نساءه  بتعظيمه والتبرك به (61) . ويشي ورود مصطلح النساء في صيغة الجمع بتعدد نساء السلطان . وفي موضع آخر من الرحلة يصف أيضا والد هذا الأخير أيضا بأنه (( كان حسن السيرة محببا إلى أهلها )) (62) .

        ويتعرض لصراع السلطان أبو إسحاق بن محمد شاه ينجو مع الأمير مظفر شاه صاحب مدينة يزد فيذكر عبر نصوص تاريخية هامة كيف استسلم هذا الأخير وكيف تم الاتفاق بينهما على أن تكون الخطبة لأبي إسحاق والمدينة لمظفر (63)

وحسب المعلومات التي يقدمها الرحالة المغربي ، يستشف أن فرقة من الشرطة يسميها بالجنادرة كانت تتولى مهمة السهر على أمن الدولة (64). وبذاك أفلح ابن بطوطة في انارة بعض الزوايا في مجال السياسة ونظم الحكم .

العلماء والصلحاء :

        كان ولع ابن بطوطة بملاقاة العلماء شديدا الى درجة أنهم كانوا أول من تطمح نفسه لملاقاتهم ، لذلك حرص كل الحرص على أن يذكر أسماء العلماء الذين التقى بهم في طريقه من البصرة إلى أصفهان ، ففي خط رحلته من البصرة الى اصفهان ، التقى بأحد شيوخ العلم وهو الإمام الصالح شرف الدين موسى بن الشيخ صدر الدين سليمان الذي نعته بالرجل الجامع بين الدين والعلم والصلاح ، ووصفه بأنه (( من أحسن الناس صورة وأقومهم سيرة )) . وأضاف أنه من عادته وعظ الناس بعد صلاة الجمعة بالمسجد الجامع . وبعد أن حضر إحدى مجالسه العلمية خلص إلى القول بأنه صغر في عينه كل العلماء الذين التقى بهم قبل ذلك بالحجاز والشام ومصر . وروى الرحالة المغربي أنه حضر إحدى مجالسه ببستان كان يملكه على ضفة النهر وقد وفد عليه علماء المدينة وفقهاؤها ، فأطعم الجميع وصلى الظهر ثم قام خطيبا وواعظا بعد أن قرأ القراء أمامه بالتلاحين المبكية والنغمات المحركة المهيجة ، وتصرف في مناحي العلوم الدينية من تفسير القرآن والحديث ، ثم أخذ الحاضرون يوجهون إليه أسئلة كتبت على رقاع وهو يجيب عنها ، بل إن مجموعة من الناس الذين تابوا الى الله ، بادروا إلى ملاقاته ، فأخذ عليهم العهد بأن لا يرجعوا إلى ما كانوا عليه (65).

        ومن شيوخ العلم الذين نالوا إعجاب الرحالة المغربي بأصفهان الشيخ قطب الدين حسين بن الشيخ شمس الدين محمد وأخوه العالم المفتي شهاب الدين أحمد حيث يقول عن الأول : (( فرأيت من اجتهاده في العبادة وحب الفقراء والمساكين وتواضعه لهم ما قضيت منه العجب )) (66). ويذكر اسم عالم آخر بمدينة شيراز اسمه الشريف مجد الدين سالف الذكر الذي كان يتلقى مرتبا من السلطان يساوي خمسين دينارا دراهم (67). كما يذكر عالما آخر كان يتميز فضلا عن علمه بقرض الشعر وهو الشيخ الصالح المعروف بالسعدي المدفون خارج مدينة شيراز ، فيقول عنه أنه (( كان أشعر أهل زمانه باللسان الفارسي ، وربما ألمع في كلامه بالعربي ))(68) .

        ويبدو أن شهرة بعض شيوخ العلم الإيرانيين سبقتهم لدى الرحالة المغربي ، فكان يخطط للقائهم أثناء رحلته ، ويعمل جاهدا لبلوغ ذلك ،  وهو ما يتضح من قوله : (( وعند دخولي إلى مدينة شيراز لم يكن لي همّ إلا قصد الشيخ القاضي الإمام قطب الأولياء فريد الدهر ذي الكرامات الظاهرة مجد الدين اسماعيل بن محمد بن خداد  ))(69) ، ويحكي لنا مشاهداته في المجلس العلمي الذي عقده هذا الشيخ بحضور القضاة والعلماء . ويفهم من روايته المكانة الكبيرة والتقدير والإجلال الذي كان يلاقيه هذا العالم ، حتى أن أهل شيراز لم يكونوا يدعونه بالقاضي ، وإنما يستعملون تعبير (( مولانا الأعظم )) كناية عن التعظيم والإجلال ، بل إن سلطان شيراز نفسه - كما يشهد على ذلك ابن بطوطة - لقيه جالسا (( بين يديه ممسكا بأذن نفسه ، وذلك هو غاية الأدب عندهم ، ويفعله الناس إذا قعدوا بين يدي الملك)) .

        الى جانب العلماء ، يذكر الرحالة المغربي أخبار مجموعة من الصلحاء في إيران وذلك عبر روايات تشبه الكرامات الصوفية ،  ومنهم رجل عابد لم يذكر اسمه ، ولكنه لمّح الى أنه من عبدان وأنه كان يأتي إلى ساحل البحر مرة في الشهر ليصطاد ما يقوته شهرا ثم لا يرى في ذلك الساحل إلا بعد تمام الشهر(70) .

        وفي نفس المنحى يذكر أنه كان جالسا بأحد مساجد شيراز وهو يتلو القرآن ، فتمنى لو كان له مصحف يقرأ فيه ، فإذا بشاب يدخل عليه ويعطيه مصحفا وينصرف ،  فلما سأل عنه أخبر بأنه بهلول الشولي (71) .

طبقة الشرفاء :

        يتحدث ابن بطوطة عن هذه الفئة الاجتماعية التي لاحظ وجودها بكثرة في شيراز ، ويبيّن أنه كان للشرفاء تنظيم نقابي ، وأن نقيبهم يدعى عضد الدين الحسيني . كما اشار إلى المرتبات التي كان يخصصها سلطان شيراز لهم وهي أكثر من ألف وأربعمائة درهم (72).

     العبيد والخدم :

        ارتبط وجود العبيد والخدم ببلاط السلطان أو البالزوايا ، ففي إحدى الروايات التي أوردها ابن بطوطة حول وفاة أحد الأمراء ذكر أنه ذهب مع وفد للعزاب فوجد مجلس السلطان غاصا بأبناء الملوك ولوزراء والأجناد ومعهم المماليك (73) ، وتأتي إشارة عبيد البلاط في معرض حديث ابن بطوطة عن السلطان أتابك أفرا سياب الذي كان يخصص ثلث الخراج لنفقته الخاصة ونفقة عياله وعبيده وخدامه (74).

        أما الخدم المرتبطون بالزوايا والذين كانوا يقدمون الخدمات للغرباء وكل من قصد تلك الزوايا فقد أشار إليهم ابن بطوطة حتى تحدث عمّا شاهده في زاوية الشيخ الصالح شرف الدين موسى حيث قدم معلومات عن اربعة من الخدم أو الفتيان ، ذكر أسماءهم وبيّن المهمة الملقاة على عاتق كل واحد منهم إذ تكلف أولهم بأحباس الزاوية ، بينما تكلف الثاني بما تحتاج إليه من نفقات يومية ، في حين كان الثالث يتكلف بخدمة الساماط بين أيدي الواردين ، بينما أنيط الرابع بمهمة النظر في الطباخين والسقائين والفراشين (75) التي أنيطت بهم .

أوصاف الإيرانيين وعاداتهم وتقاليدهم في رحلة ابن بطوطة .

المجال الأخلاقي :

        تعتبر رحلة ابن بطوطة وثيقة اجتماعية تعبّر عن مشاهدات حية عن أهل إيران وعاداتهم وحياتهم اليومية . وبصفة عامة فأوصاف الرحالة المغربي لهم تبرز مدى دماثة وحسن أخلاقهم وتدينهم وورعهم ؛ فعن سكان مدينة أصفهان يقول الرحالة المغربي أنهم (( حسان الصور وألوانهم بيض زاهرة ، مشوبة بالحمرة ، والغالب عليهم الشجاعة والنجدة ))(76) . أما أهل شيراز فهم (( أهل صلاح ودين وعفاف )) (77) و (( ليس في معمور الأرض أحسن أصواتا بالقرآن من أهل شيراز )) (78) . واشتهر الإيرانيون بالحفاظ على طهارتهم ونظافتهم ، وهو ما لاحظه ابن بطوطة بخصوص سكان مدينة يزد (79) ، وكذلك أهالي مدينة شيراز التي وصف أهلها بأنهم (( حسان الصور ، نظاف الملابس ))(80) . كما شاهد بعض الإيرانيين خارج شيراز وهم ينظفون ثيابهم بماء النهر

/ 0 نظر / 24 بازدید