زبان و ادبیات فارسی در مغرب


این وبلاگ به بررسی وضعیت زبان و ابیات فارسی در کشور مغرب می پردازد

 

 تتضمن هذه الصفحة المقالات والدراسات التالية :

الأوضاع السياسية والاجتماعية في إيران.........د/ أحمد موسى

 

 

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

 

الأوضاع السیاسیة والاجتماعیة فی إیران إبان الدولة القاجاریة

د/ أحمد موسى

استمرت آخر التجلیات عن شکل الحیاة و العادات الاجتماعیة لإیران فی الماضی، و التی تصور بعض الکتب کقصة حاجی بابا اصفهانی صوراً متشائمة و سلبیة عنها إلى أواخر العهد القاجاری.

 إضافة إلى الروایات التی جاءت فی کتب مثل قصص العلماء للتنکابنی و الإشارات التی وردت فی رساله مجدیه و یک کلمه و الانتقادات التی أثارها أمثال ملکم خان ارمنى و میرزا آقاخان کرمانى و آخوند زاده و طالبوف، و على الخصوص ما جاء فی کتاب سیاحتنامه ابراهیم بیک حول تقاریر المسافرین الأوروبیین إلى إیران من أمثال سرجان ملکم و ﭘولاک و فریزر و کاﺳﭘارد روویل اﻟﺬین جاؤوا إلى إیران فی فترة القاجاریین، فإننا نجد أیضاً الاختلاف الکبیر بین ذلک و بین ما کان بعد تلک الفترة بفعل التقلید للحیاة و للعادات الأوروبیة أو بفعل التأثر بالعوامل الناشئة عن رؤیة العصر الجدید فی إیران.

کما أن تعجب و کراهیة و حتى نفور بعض الإیرانیین حینها من العادات و التقالید الغربیة بفعل مشاهدتهم للحیاة الأوروبیة یُظهر بجلاء الفرق بین عادات و أوضاع إیران فی عصر القاجاریین و ما قبله و بین ما عرفته إیران من النفوذ الغربی فیما بعد، کما أن التأمل فی ذکریات و خواطر کبار رجالات العصر الأخیر، و الذی یعتبر کتاب زندﮔﺎنى من لعبد الله مستوفى نموذجاً له، یصور الفارق الکبیر بین ﻫﺬین الوجهین للحیاة الاجتماعیة و الیومیة فی إیران طیلة القرن الأخیر، من هنا یمکن أن نستحضر معنى التغییر الذی شهدته إیران فی القرن الأخیر و صورته قبل ﻫﺬه الفترة والتی کانت مرحلة التفتح أواخر العهد القاجاری و الثورة الدستوریة مؤثران فی تغییره التدریجی ثم المطلق.

 عرف عدد سکان إیران فی ﻫﺬه المرحلة انخفاضاً مشهوداً مقارنة بالعهد الصفوی. و ضمَّ عناصر و أجناس متنوعة من ترک و کرد و بلوﭺ و عرب و أرامنة و مسیحیین آشوریین و زردشتیین و یهود و قوقاز، کما ضمَّ المجتمع الإیرانی طبقات اجتماعیة متفاوتة بین أمراء و أعیان و علماء و أسیاد العشائر و أصحاب المناصب الإداریة العلیا و غیرهم ممن لهم امتیازات و حظوة، و طبقات أخرى تفتقر إلى أبسط الامتیازات و تتحمل کل أنواع الجور و الضرائب، أمثال طبقة الملاکین الصغار و الحرفیین و الجنود و البدو و العشائر.

 ﻣﻨﺬ عهد فتحعلى شاه الذی کان یُعیِّن أمراءه و أولاده على حکومة الولایات، أصبحت کل ولایة أو مدینة أو قصبة مرکزاً لسلطة واحدٍ من أبناء أو أحفاد ﻫﺬا الملک.

 کان هؤلاء الحکام المنسوبین إلى بیت السلطنة یزعزعون بأنفسهم الأمن بتجاوزهم و تعدیهم و مصادراتهم و سلبهم و جرائمهم.

 کانت تتجسد فی حکومة الشاه -و خاصة فی العصر الناصری-کل عیوب و سلبیات الاستبداد الشرقی، و کل تغییر للحکومة فی نظامه المستبد سواء فی طهران أو فی ولایات أخرى لم یکن سوى تغییر للعنف و الاستبداد و التجاوز بمثیله، لا غیر.

فإضافة إلى أذربیجان التی کانت تعتبر مرکز استبداد ولی العهد و قصر إیران الثانی، فإن مسعود میرزا ظل السلطان الابن الأکبر للشاه کان الحاکم المطلق فی أصفهان و کان ظلمه و استبداده یوحی بوحشیة التتار و المغول. أما فی طهران فإن الابن الآخر للملک و هو کامران میرزا نایب السلطنة کان بصفته وزیراً للحرب لا یتورع عن أی نوع من أنواع الظلم. و فی فارس کان فرهاد میرزا معتمد الدولة مثالاً للقسوة و التعذیب. و فی کرمان و خراسان و سائر البلاد کان الشعب تقریباً فی معرض تجاوزات و دسائس الأمراء و الحکام و من تحت أیدیهم. و لم یکن بإمکان أحدٍ تقدیم تظلم أو النجاة من شرهم. و إنَّ ما جاء فی کتاب تاریخ بى دروغ  لظهیر الدولة صهر الملک ناصر الدین شاه یُظهر نماذج لمظالم و فجائع الملک و أمرائه فی ذلک الوقت. و فی نهایة ﻫﺬا العهد یُلاحظ استمرار الفساد و الرشوة و تجاوزات رجال الدولة و ممارسة التمییز و عدم تطبیق القانون فی شؤون المملکة، و یلاحظ کذلک التدخل المتزاید للروس و الإنجلیز فی الشؤون السیاسیة للبلاد و تنافسهم فی إحراز المزید من الامتیازات...کل ﻫﺬا کان یضر بأمن الشعب ضرراً بالغاً. کذلک فإن أسفار الملک الترفیهیة إلى أوروبا مع کوکبة من الرجال الجهال لم یکن یجر أی نفع للبلد و المواطنین، کل ﻫﺬا کان سبباً فی الحقد الذی مافتئ یکبر فی صدور الطبقات الفاقدة للامتیازات و المثقلة کواهلها بالضرائب تجاه استبداد القاجاریین و کان یُشکِّل هماً و شغلاً شاغلاً للعلماء و المفکرین.

 فی خضم ﻫﺬه الأوضاع لم یکن أحد من رجال الدولة یفکر سوى فی استمرار الوضع القائم، اللّهم إلا إذا استثنینا منهم قائم مقام فراهانى و میرزا تقى خان أمیر کبیر و میرزا حسین خان ﺳﭙهسالار و میرزا على خان أمین الدولة اﻟﺬین أظهروا أفکاراً تقدمیة و إصلاحیة و التی لم تُتابع أبداً.

یمثل میرزا آقا خان نورى نموذجاً لصورة تفکیر رجال الدولة القاجاریة الذی صرّح بعدم السماح للشعب بالتعرف على المبادئ و القوانین و الحقوق. و هناک نماذج أخرى لرجال ﻟﻫﺬه الدولة اﻟﺬین استمروا فی ممارسة الاستبداد و أنواع الدسائس و الفجائع نذکر من بینهم : حاجى میرزا آقاسى ایروانى الصدر الأعظم لمحمد شاه، و عبد المجید میرزا عین الدولة الصدر الأعظم لمظفر الدین شاه و میرزا على اصغر خان ﮔرجى الشهیر بأمین السلطان الصدر الأعظم لناصر الدین شاه. أما عامة الشعب فکانوا یرزحون تحت نیر الظلم و الرعب و الفقر و الجهل.

 أما الجیش النظامی الإیرانی فحتى أواخر العهد الناصری کان فی وضع و حال لا یجلب النفع لا للملک و لا للمملکة.

 کان مصطلح العلم ینحصر على العلوم الشرعیة و لقب العلماء ینسحب على المجتهدین و المدرِّسین و الطلاب المنتسبین إلى الحوزة العلمیة. فی أواخر ﻫﺬا العهد نُقلت الحوزات العلمیة الکبیرة إلى کربلاء و النجف، لکن قبل ذلک الوقت کانت دائرة فی کل نواحی إیران کطهران و تبریز و مشهد و قم و کاشان و أصفهان و بروجرد. و کانت علوم الفقه و الأصول و التفسیر و الکلام و الحدیث و علوم البلاغة و الأدب تشکِّل الأساس فی الدروس العلمیة حینها. لکن العلوم غیر الشرعیة لم یکن لها اهتمام یُذکر، و مع ذلک فإن العلوم الطبیعیة و الریاضیة کانت تُدرس ضمن دروس الحکمة.

 أما البلاغة و النحو و علوم العربیة فکانت تحظى بمنزلة متمیزة لدى أصحاب التاریخ و التفسیر و الأدب، و کان التاریخ یشمل المغازی و سیرة الرسول صلى الله علیه و سلم و أحوال الرجال و مشاهیر الإسلام. ﻫﺬا بالرغم من أن ترجمة بعض التواریخ الأوروبیة فی أواخر ﻫﺬا العصر کانت سبباً فی الإطلاع على بعض أحداث التاریخ المعاصر.

 کان العلماء و المجتهدون و الأسیاد یحظون باحترام خاص فی المجتمع، و کان لهم نفوذ واضح فی أکثر القضایا الاجتماعیة. أما الأسیاد فکانوا یُعاملون باحترام و قداسة استثنائیة حتى و إن لم یکن لهم نصیب من العلم، یکفی أنهم ینتسبون إلى بیت النبوة. کما أن بعض علماء ﻫﺬا العصر – خاصة الأسیاد منهم -  تمکنوا من تکدیس ثروات طائلة بسبب جمع أموال النذور و الخُمس و الأوقاف و المساجد و المدارس و الزوایا التی کانوا یتولون الإشراف علیها، أو بسبب ولایة الأیتام و إدارة أموالهم و ممتلکاتهم. و کانت سلطتهم توازی أحیاناً سلطة الحکام. و من باب التمثیل نذکر أسماء العلماء التالیین اﻟﺬین لم تحل ثرواتهم و أموالهم الطائلة دون استمرار نفوذهم بین عامة الشعب : حجة الإسلام شفتى و حاجى ملا على کنى و حاجى آقا محسن عراقى...

   اکتشَفت إیران أوروبا لأول مرة فی عهد الصفویین، لکن تبعات ﻫﺬا الاکتشاف لم تظهر إلا فی عهد القاجاریین. فالروابط بین الأوروبیین و الإیرانیین أصبحت فی عهدهم ملزمة یستحیل التراجع عنها. و إن توسیع ﻫﺬه الصلات جعل إیران فی معرض التأثر بالحضارة و الثقافة الأوروبیة. کما أن الإحساس بضرورة اکتساب العلوم الأوروبیة و تعلم لغتهم – الذی کان جواباً طبیعیاً لحاجة طبیعیة و آنیة – ظهر فی ﻫﺬا العصر.

کما أن الحروب الإیرانیة الروسیة کانت تملی على الحکومة ضرورة إصلاح النظام و إعداد أسلحة جدیدة، و ﻫﺬا بدوره کان یفرض التعرف على العلوم و الصناعات الجدیدة فی الغرب. و قد بادر بعض رجالات ﻫﺬا العصر بإصلاحات فی ﻫﺬا الاتجاه غیَّرت إلى حد کبیر صورة الحکومة و النظام الإداری فی إیران، نذکر من بینهم : میرزا بزرﮒ و میرزا أبو قاسم قائم مقام و میرزا تقى خان أمیر کبیر و میرزا حسینخان ﺳﭙهسالار و غیرهم. و قد صدر بیانٌ من الحکومة فی العهد الناصری (1276ق) یلزم اکتساب "العلوم و الصناعات المتداولة فی أوروبا" باعتبارها "أسباب رقی و ازدهار الدولة".

 لکن رغم أن الاطلاع على علوم الفیزیاء و الریاضیات و الطب و الهندسة الأوروبیة تم ﻣﻨﺬ تأسیس مدرسة "دار الفنون" فی طهران و رغم التغییرات التی طرأت فی نظم و طرق استعمال الأسلحة الجدیدة، إلا أن عدم إیمان مسؤولی الدولة بضرورة تغییرٍ مواکبٍ لتلک التغییرات فی الأنظمة و الشؤون المدنیة کان حائلاً دون حصول التطور الکامل ﻟﻫﺬه العلوم و الصناعات فی إیران. و حتى القیام بنشر الصحف و إیجاد تغییر فی بعض الترتیبات الإداریة لم یکن لیثمر أو لیرفع الظلم و الاستبداد عن الشعب إلاَّ بإجراء الإصلاحات اللازمة فی القضایا و الشؤون المدنیة. ﻟﺬلک فحتى الثورة الدستوریة (المشروطة) لم تؤد إلى رفع حواجز الترقی و الازدهار بشکل قطعی و فوری، بل سقطت هی نفسها فی دوامة خلافات شدیدة بین المطالبین باستمرار الوضع القائم و هواة التغییر و التجدید ممَّا حدا بها إلى فقد قوتها و قدرتها.

 استطاعت الصحافة الفارسیة التی کانت تنشر فی الغالب مقالات مثیرة حول المؤسسات الاجتماعیة فی أوروبا و العمران و الازدهار و العدالة الاجتماعیة و حسن تعامل الأوروبیین، کل ذلک بلحن مبالغ فیه، و کذلک حول دخول السلع و الصناعات و الاختراعات الأوروبیة الجدیدة و الألبسة و الأسلحة و لوازم البیوت و الإدارات و غیر ذلک، استطاعت فی الأخیر أن تثیر الانتباه إلى الفوائد الجمة للحضارة الأوروبیة.

 لکن ما یُنقل عن بعض مثقفی العهد الناصری و بعض رواد الحرکة الدستوریة فی شأن الأخذ بالتمدن و الحضارة الأوروبیة دون أی شرط أو قید، کان یُفسر من قِبل المطالبین باستمرار الوضع القائم بأنه نفی للشریعة الإسلامیة، و بالتالی کان یتعرض للنقد. و ﻫﺬا کان مدعاة إلى الوقوف فی وجه المشروطة و سبباً فی عدم استحکام بنائها.

 اتخذت الحکومة الإیرانیة بعد مرور سنوات قلیلة من العهد القاجاری التقلید الأعمى لظاهر الحضارة الأوروبیة شعاراً لها. و بعد الحرب العالمیة الثانیة التی کشفت المقاصد الاستعماریة الأوروبیة و أطماع الدول الغربیة فی إیران و الدول الإسلامیة و غیر الإسلامیة من الدول الشرقیة ظهرت ردود أفعال کثیرة سواء من الأشخاص المتدنیین أو من غیرهم ممَّن کانوا یطالبون بالتحرر من التدخل و الانصیاع للحاجة إلى العلوم و الصناعات الغربیة، و انعکس کل ذلک فی أدب عصره بشکل تدریجی.

•  •  •

 انصبت الفعالیات الأدبیة فی إیران طیلة نصف العهد القاجاری على إیجاد و تهیئ الأرضیة لنهضة ثوریة مشهورة کان هدفها الأساسی نشر العدل و تأسیس "دار العدالة". و بالرغم من أن مظفر الدین شاه کان من بین آخر الملوک القاجاریین اﻟﺬین وقعوا على منشور و وثیقة إیجاد "دار العدالة" و الثورة الدستوریة (المشروطة)، و خلد اسمه فی التاریخ کـ"عدل مظفر"، فإن استقرار أصلها عجَّل بسقوط الدولة القاجاریة، کما أن "دار العدالة" التی أُسِّست بمجهود قادة تلک النهضة و أُطلق علیها اسم مجلس الشورى الوطنی، أعاد بعد سقوط السلسلة القاجاریة استبداد الحاکم القاجاری بصورة أخرى و بلباس المشروطة. لذلک لم تتبق من مکتسبات الثورة الدستوریة سوى الاسم و مؤسساتها الشکلیة بالرغم من أن آداب تلک الفترة کان لها دورٌ فعّال فی التحول الأدبی لإیران.

 کانت الثورة الدستوریة فی الحقیقة انفجاراً للعُقَد التی تراکمت فی أذهان أکثر طبقات المجتمع الإیرانی طیلة سنوات الاستبداد و التجاوز القاجاری و فقدان العدالة و الحریة و انعدام مراجع التظلم المحایدة.

 انضمت طبقة من علماء العصر فی المطالبة بدار العدالة هذه إلى المطالبین بذلک ممّن کانوا فی معظمهم من التجار و الحرفیین و الطبقات المسحوقة الذین کان تأسیس دار العدالة بالنسبة لهم أمراً لازماً. لکن الطبقات المزارعة و بقیة الرعایا لم تنضم إلى هذه المطالبات و لم یکن لها دورٌ یُذکر. أما الملاَّکین الکبار و أصحاب الرسامیل فکان الوضع القائم مناسباً لهم و أٌجبر صغار الملاَّکین على متابعتهم، لأن إقامة دار العدالة التی ستکون مرجعاً لتظلمات الرعایا سیضر بمصالحهم. و بذلک فإنه من الطبیعی ألا یشارک فی مثل هذه النهضة طبقات المزارعین و الرعایا الذین یتبعون و یطیعون کبار الملاَّکین و یفتقدون إلى الرشد الفکری و الثقافة العادیة.

 أدى التضامن التدریجی للأشخاص الذین یهمهم إیجاد دار العدالة مع العلماء و المفکرین و المثقفین و الذین سببوا ضرراً کبیراً للحکومة المستبدة فی قضیة "التنباکو"، أدى کل ذلک التضامن التدریجی إلى جلب و استقطاب بعض رجالات الدولة و الإدارات، و إلى تحرک الأشخاص الذین کانوا یعانون من تخلف إیران فی السیاسة الدولیة، و الذین کانوا یعتبرون ضعف الحکومة مقابل أطماع الدول الأوروبیة ناشئاً من فسادها و من فقدان القانون و العدالة، و الذین کانوا یرون أن إیجاد التغییر الاجتماعی دفعة واحدة و بشکل فوری أمر لازم لارتقاء و ازدهار إیران، أدى ذلک إلى تحرک هؤلاء فی اتجاه تأیید و قیادة المطالب الاجتماعیة و مشاورة العلماء و الوعاظ و أرباب الصحف، و قد أبانوا فی هذا الأمر حماسة کبیرة. و حین سنحت الفرصة لإبراز عدم الرضا و السخط على ظلم و استبداد الحکومة، تحرک کل هؤلاء تحت قیادة العلماء و تحولت حرکتهم بمساندة من الصحف و الوعاظ و الخطباء إلى نهضة ثوریة عجزت معها الدولة عن استعمال العنف الذی توسلت به فی حادثة "تنباکو" و فشلت فیه.

 لکن توالی الحکومات بین نهایة فترة الاستبداد الناصری (1313ق) و بدایة النهضة المطالبة بالعدالة (ح 1323ق) ببرامج مختلفة کان أیضاً من الأسباب التی أدت إلى صحوة الناس أو إثارة شکوکهم تجاه بعض حکام و رجال الدولة. اهتم علیخان أمین الدولة (المتوفى 1322ق) و الذی وصل إلى صدارة الدولة فی بدایة حکم مظفر الدین شاه، اهتم إلى حدٍ ما بنشر المعارف و توعیة الأذهان، لکن حکومته لم تستمر، و مع مجیء مبرزا على أصغر خان، الصدر الأعظم المعروف فی نهایة العهد الناصری، و تعویض سابقه، تجدد الاختناق و استؤنف الاستبداد الذی کان فی الماضی، و استمرت المصاریف العشوائیة التی أثقلت کاهل الدولة و دفعتها إلى الاستدانة من الخارج. مع ذلک و بعد مدة قصیرة برزت حرکات معارضة للأتابک انتهت بخلعه و تولی الأمیر عبد المجید میرزا عین الدولة. لکن مجیء هذا الأخیر و استبداده و انعدام العدالة فی عهده زاد من سخط العلماء علیه و أثار الفتن ضد دولته. کما أن ممارسات علاء الدولة حاکم طهران غیر المحسوبة العواقب فی معاقبة مجموعة من تجار بازار طهران کان سبباً فی إغلاق البازار و تجمهر المعارضین لهذا الصنیع فی مسجد "شاه طهران". و قد أثار دعم عین الدولة لما قام به علاء الدولة غضب الشعب و ثورته. و انتهى الأمر بالمعارضین إلى تعطیل البازار و التحصن فی زاویة "حضرة عبد العظیم"، و لحق بهم مجموعة من طلاب المدارس و العلماء و الوعاظ. کانت مطالبهم تتلخص منذ البدایة فی عزل مستشار الجمارک البلجیکی مسیو نوز الذی کان معروفاً بعنجهیته و إهانته للباس رجال الدین (الروحانیون)، و عزل حاکم طهران علاء الدولة و تأسیس "دار العدالة" الحکومیة – الذی کان یُقصد بها دار الشورى الوطنیة التی تُعنى بوضع القوانین و الإشراف على التطبیق الصحیح للقانون.

 لکن وجود مکتوب الشاه الخطی الذی یقضی بتأسیس "دار العدالة" و تکلیف عین الدولة بإجرائه لم یوقف صراع الدولة مع المتحصنین. و أُوقف بعض الوعاظ الذین کانوا یحرکون الشعب فی مطالبته بدار العدالة و القانون و نُفی بعضهم الآخر. و فی خضم هدا التجاذب بین الحکومة و المعارضة قُتل أحد الطلبة على ید جنود عین الدولة، و على إثر دلک انطلقت التظاهرات فأُغلقت البازارات و تجمع المتظاهرون فی المساجد للترحم على الطالب القتیل، فحاصرت قوات الأمن المساجد و أطلقت النیران و قتلت العدید منهم. و فی الیوم التالی توجه العلماء إلى مدینة قم و هددوا الدولة بمغادرة إیران إلى الخارج. أعقب دلک حالة من الفوضى و الهرج اضطر على إثره المطالبون بدار العدالة إلى اللجوء إلى السفارة البریطانیة فی طهران و التحصن بها. و یوماً بعد یوم ارتفع عدد المتحصنین بها حتى وصل إلى ثلاثة عشر ألفاً، و طالبوا لأجل إخلاء السفارة البریطانیة بتحقیق مطالبهم المتمثلة فی : عزل عین الدولة و عودة العلماء إلى طهران و افتتاح دار الشورى _ أی دار العدالة_ بالحکم على القتلة فی الحوادث الأخیرة بالقصاص و عودة المنفیین و إطلاق سراح المعتقلین فی الأحداث الأخیرة.

 تزامناً مع هده الأحداث بادر مجموعة من علماء مدینة تبریز إلى ترغیب ولی العهد محمد على میرزا الذی لم تکن تربطه علاقة طیبة بعین الدولة فی التوسط لإرجاع العلماء إلى طهران و تلبیة مطالب المتحصنین. من جهة أخرى و مع ارتفاع عدد المتحصنین إلى أکثر من أربعة عشر ألفاً و بفعل الضغوط التی مارستها السفارة البریطانیة على الشاه، اضطر عین الدولة إلى الانسحاب و الاستقالة. و عُین وزیر خارجیة حکومته میرزا نصر الله خان مشیر الدولة فی مکانه، و أرسل الشاه من حاشیته من یستمیل العلماء و یرغبهم بالعودة إلى طهران، کما أصدر مرسومین متوالین (14 و 16 جمادى الثانیة 1324 ق) یقضیان بتأسیس "مجلس الشورى الوطنی" الذی یضم "منتخبی الدولة" بقصد "المشاورة و التدقیق" فی "مهام و شؤون الدولة و المملکة و المصالح العامة". مما أدى إلى انتصار نهضة المطالبین بالعدالة و القانون و خروج المتحصنین من السفارة. و رغم التضییقات التی مارسها رجال القصر فیما بعد فإن "القانون المنظم للانتخابات" وُضع و صودق علیه (رجب 1324ق).

و فی الأخیر و بانتخاب ستین وکیلاً من طهران انعقد أول مجلس – و الذی کان فی أساسه مجلساً ثوریاً بصلاحیات مجلس المؤسسین و المقننین _ بدون حضور النواب المنتخبین فی المحافظات الأخرى، و کان ذلک فی قصر "ﮔلستان" بحضور الشاه بتاریخ (17 شعبان 1324ق).

 لکن الانتخابات فی باقی الولایات و المحافظات تأخرت بسبب عدم رغبة الدولة و بسبب مضایقات المعارضین للمشروطة، و لم یلتحق أحدٌ من منتخبی المحافظات بطهران لمدة طویلة. مع دلک فقد وُضع القانون الأساسی فی 52 مادة و صودق علیه من طرف المجلس، و وقع علیه الشاه فی وقت متأخر جداً (14 ذو القعدة) بسبب تماطل رجاله، و بعد أسبوع واحد من التوقیع (23 ذو القعدة) توفی الشاه.

 تولى الحکم بعده نجله محمد علی میرزا الذی اتخذ لنفسه اسم علی شاه ، و بخلاف تظاهره فی عهد صدارة عین الدولة بتعاطفه مع هدا التیار، ناصب محمد علی شاه المجلس العداء مند بدایة ملکیته. و فی مراسم جلوسه على العرش کلف وزراءه بمعاداة المجلس و معارضته. فتعرض أساس "دار الشورى" و "دار العدالة" للتزلزل مدة معینة، لکن تأسیس الجمعیات فی طهران و کل أنحاء المملکة أدى بشکل تدریجی إلى رفع هدا التزلزل، و ردعت الفتن التی اشتعلت فی تبریز لدعم المجلس و تقویته (21 دو الحجة 1324ق) رجال القصر و أثنتهم عن استمرارهم فی معارضة المجلس. و أُجبر الشاه على إصدار مکتوب یقضی بقبوله للمشروطة[1].و أکمل المجلس فی الأخیر تتمة القانون الأساسی فی 107 مادة و التی کانت فی الواقع تتمة أساس المشروطة و صادق علیه. و هکذا صادق المجلس الأول على مبدأ تفکیک السلط الثلاثة للمملکة – التی ما کان لدار العدالة أن تؤسس بدونها- قام المجلس بتعدیل میزانیة الدولة و إصلاحها، و أسس فی إیران "البنک الوطنی" کما حدد مداخیل أقرباء الشاه، و حدد أیضاً راتباً مناسباً للشاه.

أدى دلک إلى إثارة حقد الشاه و حنقه على المجلس، و بتحریک منه تجمع معارضو المشروطة – الدین کان دافع بعضهم أغراض و مصالح شخصیة محضة- فی ساحة "توبخانه" بطهران. فتصاعدت الأمور و التظاهرات و الفتن و تعرض المجلس و أصحاب المشروطة لتهدید الأشرار، لکن الشاه سیضطر إلى التسلیم تحت ضغط مقاومة مؤیدی المشروطة و صلابتهم. و انتهت هده الفتنة –أو بتعبیر المؤرخین- هدا الانقلاب العقیم دون وقوع حوادث شدیدة (دو القعدة 1325ق). لکن بعد مدة و بسبب تعرض سیارة الشاه لتفجیر قنبلة دون أن یصاب بأذى (محرم 1326ق) قرر إغلاق المجلس و هدمه. و أید الشاه فی هدا القرار بعض رجال قصره و عدد من العلماء المعارضین للمشروطة. فتحصن فی المجلس نفر من رؤساء المشروطة أمثال ملک المتکلمین و میرزا جهاﻧﮕیر خان شیرازی و سید جمال اصفهانی. نصب الشاه القائد الروسی لیافوف على رأس الحکومة العسکریة فی طهران. و بعد عدة أسابیع من الصراع و التجاذب و تبادل الرسائل بین الشاه و المجلس، حاصر جنود الشاه المجلس ثم قصفوه بالمدفعیة (22 جمادى الأولى 1326ق). کما تعرضت منازل مجموعة من الأشخاص کانت مجاورة للمجلس للقصف و الدمار أو النهب. و قُتل عدد آخر من أمثال میرزا ابراهیم آقا وکیل تبریز، و أُسر عددٌ آخر کـمیرزا جهاﻧﮕیر خان شیرازی مدیر الصحیفة المعروفة "صور إسرافیل" و ملک المتکلمین واعظ، ثم قتلوا بعد دلک فی بستان الشاه بأمره. کما تحصن عددٌ آخر فی سفارات بریطانیا و فرنسا أو سفارات أخرى و اختفى عددٌ آخر.

 و هکذا حل الشاه المجلس و هدمه. و تم إحیاء استبداد القاجاریین ثانیة، و لأنه استمر أکثر من سنة واحدة سُمی بـ "الاستبداد الصغیر" . و قد قوبل هدا الاستبداد الذی استمر بنفس العنف السابق فی طهران بالرفض و المعارضة فی محافظات أخرى. فقامت تبریز بمجاهدیها ضده. و هنا یبرز اسم ستارخان و باقرخان اللذان أدارا هده المواجهة بشجاعة. أما فی أصفهان فقد أبدى البختیاریون رد فعل قوی. و فی کیلان ثار الشعب کله، و کذلک فی العدید من المدن الأخرى کمشهد و استرآباد. فیما حرم علماء النجف أداء الضرائب لهده الدولة. ففکر الشاه بتأسیس مجلس تحت اسم "مجلس الشورى الحکومی" و کان هدا یعنی فی الواقع تغییر القانون الأساسی الذی لا یمکن أن یقبل به ممثلی الشعب. و فی الأخیر و مع قیام البختیاریین فی أصفهان (دو الحجة 1326ق) و قیام مجاهدی کیلان (محرم 1327ق) اتخذت مقاومة الشعب لاستبداد الشاه شکلاً قاطعاً. دخلت جیوش مجاهدی الشمال برئاسة ﺳﭘهسالار تنکابنى و المجاهدون البختیاریون بقیادة القائد اسعد بختیارى إلى طهران بتاریخ 27 جمادى الثانیة 1327ق. ثم وَجَد محمد علی شاه – الذی لم یقدر على المقاومة- نفسه مضطراً للتحصن فی السفارة الروسیة فی منطقة شمیران. و بمجرد فتح طهران على ید الوطنیین تجمع فی عمارة "بهارستان" عدد من نواب الدورة الأولى إضافة إلى الوزراء المستقیلین و المجتهدین و عدد من التجار و رؤساء النقابات، فعین المجلس هؤلاء بصفتهم اللجنة العلیا لخلع الشاه محمد علی شاه و تنصیب نجله الیافع أحمد میرزا على رأس السلطة. و انتُخب عضد الملک –رئیس أسرة القاجاریین- الذی کان له صلة مند بدایة النهضة بالمطالبین بالمجلس و دار العدالة، نائباً للملک. و هکذا تسلم رؤساء المجاهدین السلطة و وصلوا إلى  النفوذ،فعُین ﺳﭘهسالار تنکابنى وزیراً للحرب و الجنرال اسعد وزیراً للداخلیة و باقی معاونیهم وزراء فی الحکومة. مع نهایة الاستبداد الصغیر انتهت أیضاً الحکومة العسکریة، فحررت الصحف و أُعید المبعدون و أُوقف أو نُفی معارضو المشروطة و حوکم البعض الآخر منهم. ثم أُعلنت الانتخابات و أُجریت بسرعة. و هکذا تشکل المجلس الثانی فی طهران بعد خلع الشاه المستبد مباشرة (دو القعدة 1327ق). و فی هدا المجلس تم تکریم مجاهدی الانقلاب کـ یفرم ارمنى من قادة مجاهدی کیلان، عُین مسؤولاً عن "النظمیة"، کما تم تکریم مجاهدی تبریز و مقاومیهم بإعطاء لقب سردار ملى" (القائد الوطنی) لستارخان و لقب "سالار ملى" (السید الوطنی) لباقرخان. و اختیر أخ الشاه محمد حسن میرزا ولیاً للعهد.

و تأسس فی المجلس حزبان : الحزب الاعتدالی و الحزب الاجتماعی (الدیموقراطی). و أوجد فضاء مناسب جدید لممارسة الدیموقراطیة، و اتضح مفهوم المشروطة لعدد من النواب و الممثلین الدین لم یدرکوا معناها لحد تلک الساعة، و برزت على الساحة المواجهات الحزبیة و الاختلافات الشخصیة بشکل تدریجی.

 و هکذا انتهت إثارة الثورة الدستوریة، لکن هده الثورة التی تحققت کانت قابلة للانکسار و التضرر مع وجود ملک صغیر السن و قصر متزلزل و خصوصاً فی ظل وجود خلافات بین القادة و التی وصلت إلى حد اغتیال سید عبد الله بهبهانى (رجب 1328ق)، و نفی بعض المتعصبین الدیموقراط إلى الخارج (جمادى الثانیة 1327ق) و کذلک فی مقابل التحریضات الدائمة للروس و الإنجلیز و تدخلهم فی الشؤون الجاریة و سعیهم لإرجاع محمد علی شاه (شعبان 1329ق)، و کذلک وجود مشاکل کثیرة متعلقة بالسیاسة الخارجیة و الداخلیة. ففی ظل هده الظروف لم یکن بقاء الهویة الحقیقیة للمشروطة مضموناً. لا یتسع المجال لشرح تفاصیل هده الأوضاع و فی التطویل فی شرح مقدمات النهضة. لکن هده الإشارات المجملة ترصد توالی الأحداث اللاحقة و فی نفس الوقت تؤدی إلى درک و تقییم انعکاس هده الأحداث فی أدب إیران فی نهایة العهد القاجاری کما ینبغی ککشف الغطاء عن أهمیة دور کتاب و شعراء هده الفترة فی صحوة الأذهان و فی إفشاء الأسرار التی أدى عدم الانتباه إلیها إلى توقف عجلة تطور هده النهضة. و واضح أن من بین کتاب الصحف و الشعراء و الخطباء  الدین برزوا فی هدا العصر صنعوا لأنفسهم أمجاداً و ذکرى خالدة لا تُنسى، نذکر من بینهم : میرزا على أکبر خان دهخدا و میرزا جهاﻧﮕیر خان "صور إسرافیل" و سید جمال الدین واعظ و ملک المتکلمین اصفهانى و سید حسن تقى زاده و محمد أمین رسول زاده و أدیب الممالک فراهانى و محمد تقى بهار ملک الشعراء و ...

 

 


 

[1]  إن إصدار منشور "المشروطة" من طرف مظفر الدین شاه، و وفاته المفاجئة بعد مدة وجیزة من صدور المنشور ترک فی أذهان الأجیال التالیة انطباعاً طیباً شیئاً ما عن هدا الملک. "عدل مظفر" هدا الاسم الذی بات بمثابة تاریخ المنشور و مادة لتاریخ وفاة الشاه، یمثل فی الحقیقة نهایة عهد استبداد ملیء بالفوضى کان یشمل فترة ملکیته القصیرة. کانت ملکیته استمراراً لنفس استبداد العهد الناصری، لکنها کانت تفتقد لسلطته و صلابته. إن شخصیته الضعیفة و أسلوبه الخاص فی الحیاة لم یکونا فی مستوى الانطباع الطیب الذی اقترن "عدل مظفر" باسمه. نقل روایات مخزیة و مذلة عن حیاته الخاصة کانت تدل على انحطاط القصر القاجاری. یمکن الرجوع إلى ما نقلته أخته تاج الدولة فی هدا الباب و إلى جزء من أسرار أحوال و أوضاع أسرته : خاطرات تاج الدولة (ذکریات تاج الدولة) باهتمام منصوره اتحادیه 136\2 ، 2\71 و کذلک 1\53-89. یقارن ذلک بما جاء فی تاریخ غفاری ، و هی خواطر محمد على غفاری النائب الأول لخادم الشاه. أدى ضعف هدا الملک إلى إطلاق ید حکامه و عماله لممارسة أشد القمع فی حق الشعب لمدة طویلة. کان هؤلاء العمال و الحکام المستبدین الدین رافقوا الشاه من تبریز إلى طهران بسبب جهلهم و سذاجتهم غالباً موضوع التنکیت و التمثیل لدى ظرفاء طهران. کما کانت هناک أناشید عامیة فیها إهانة و تحقیر للشاه نفسه یرددها أطفال المدینة. للإطلاع على الجزئیات راجع : عبد الله مستوفى، زندکانى من، 2\10، و أیضاً : ص 45،41. و قد کان أخوه ظل السلطان المعارض و المنافس له وراء نشر جزء من تلک الشائعات المخزیة. یمکن درک ضعف شخصیة الشاه و سذاجته و میوعته أیضاً فیما جاء فی کتاب سفرنامه خراسان لمیرزا علینقی حکیم الملک، الطبعة الحجریة، ص: 180-170. کان یتجلى هدا الضعف بوضوح فی أسفاره إلى أوروبا رفقة حاشیته. یمکن الإطلاع على دلک فی تقریر المضیف و مسؤول التشریفات فی الدولة الفرنسیة آنذاک  کزاویه باولى و الذی نشره فی کتاب بعنوان اعلیحضرت ها ، راجع: عباس إقبال، مجله "یادکار"، السنة الأولى، 1\40-13.      








Powered by WebGozar

<

دریافت کد آمارگیر سایت