زبان و ادبیات فارسی در مغرب


این وبلاگ به بررسی وضعیت زبان و ابیات فارسی در کشور مغرب می پردازد

الصلات الاجتماعية بين إيران والمغرب  من خلال الرحلات :

رحلة ابن بطوطة في القرن الثامن الهجري نموذجا 

د.ابراهيم القادري بوتشيش

جامعة مولاي اسماعيل - كلية الآداب

مكناس - المغرب

عبر تاريخ الانسانية , كانت الرحلات  أكثر الوسائل التي مكنت من خلق روح التعايش بين الشعوب ، وشكلت جسورا للمحبة والتعارف والتسامح بين مختلف الأجناس والأعراق ، وأداة لتمتين أواصر العلاقات الاجتماعية ، وفتح آفاق بعيدة في مسار حركة التواصل وبناء العلاقات الإنسانية .

        وتعتبر هذه القاعدة أكثر صحة وأدق تطبيقا كلما تعلق الأمر بالشعوب الإسلامية التي كانت تواقة عبر تاريخها إلى ربط علاقات اجتماعية بينها ، خاصة أن التواصل يدخل في صلب العقيدة الاسلامية ، ويشكل حجر الزاوية في بنائها الأخلاقي . وبمجرد أن دخل الاسلام للقارة الافريقية ارتفع إيقاع الصلات الاجتماعية ، فكثرت الرحلات من هذه البلدان الافريقية الى إيران ، كما رحل الإيرانيون نحو هذه البلدان لأغراض متنوعة .

 غير أن ما يهمنا من هذه الرحلات ، يكمن في رحلة ابن بطوطة المغربي إلى إيران، وهي رحلة تجسد أنموذجا للتواصل الاجتماعي بين المغرب وإيران . ولعلّ أهمية هذه الرحلة تكمن فيما تختزنه من صور اجتماعية عن إيران وعن عادات أهلها وتقاليدهم بعيون مغربية .

        ومن المتفق عليه بين الباحثين المعاصرين أن المجتمعات الاسلامية خلال العصور الوسطى تعرضت للتهميش والإقصاء من جانب المؤرخين الذين اهتموا بالحلقات السياسية فحسب ، ومن ثم فإن أهمية رحلة ابن بطوطة تساهم في سدّ هذه الثغرة بما تكشف عنه من نمط حياة المجتمع الإيراني خلال القرن الثامن الهجري ، وعن عاداته وتقاليده ونظمه وعقليته وتحفر في مخزون تراثه ، مما يساهم في إنارة بعض الحلقات المعتمة من تاريخه الاجتماعي.

        وقبل عرض مشاهدات ابن بطوطة في المجتمع الإيراني ، نرى من الناحية المنهجية أن نعرض لشخصية هذا الرحالة المغربي وظرفية رحلته لإيران ودواعيها ، لتأكيد مصداقية أقواله وأوصافه حول الإيرانيين والتي يتضمنها كتابه " تحفة النظار وعجائب الأسفار" .

 

أولا : ابن بطوطة : شخصيته وظروف رحلته إلى إيران :

        هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن ابراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة ( بتشديد الطاء أو تخفيفها ) ، ويلقب بشمس الدين . والراجح أن لقبه اللواتي الذي اشتهر به جاء نسبة الى لواته احدى الفروع الكبرى من قبائل الأمازيغ التي انتشرت بطونها على طول ساحل المغرب الاسلامي المتوسطي (14) . أما اللقب الثاني الذي أضيف اليه وهو الطنجي فيرتبط بمدينة طنجة الواقعة في شمال غرب المغرب الأقصى ، وهي المدينة التي ولد بها في 17 من رجب من عام 703 هـ .

        أما بيئته الأسروية فلا يعرف عنها تفاصيل هامة ، باستثناء اشارات طفيفة وردت في ثنايا رحلته يستشف منها اشتغال بعض أفراد أسرته في وظيفة القضاء (15) .

        وقد أجمع الدارسون لسيرة ابن بطوطة على الطابع الديني للمحيط الذي نشأ فيه . ولا غرو فقد نهل من علوم الدين والفقه ، خصوصا الفقه المالكي ، كما تولى ابان رحلته مهنة القضاء على مذهب الامام مالك ، حيث كان سلطان دهلي محمد شاه بن طغلق قد ولاه مسؤولية القضاء (16) . وكان له ابداع شعري مدح به من أولوه الرعاية والعطاء (17) ، وفي ذات الوقت كان متشبعا بروح التصوف ، ومقتنعا اقتناعا عميقا بالأولياء والصلحاء ، ينهض دليلا على ذلك تهافته أثناء رحلته على زيارتهم والتبرك بهم في كل منطقة حلّ بها .

        ومن خلال قراءة مقدمة رحلته يتضح أنه خرج من مسقط رأسه لبداية مشروعه الديني الذي تحول الى مشروع رحلة كبرى في ثاني رجب من عام 725هـ  ، وهو آنذاك ابن الثانية والعشرين من عمره (18) ؛ واستمر يجوب أقطار المعمور مدة ربع قرن أو تزيد (19) أكمل فيها ثلات رحلات كبرى ، قاطعا بذلك خمسا وسبعين ألف ميل (20) ، أي ما يعادل تقريبا 120 ألف كلم (21) .

        وعند عودته الى أرض الوطن ، أملى بأمر من السلطان المريني أبي عنان ( 849 ـ 859 هـ \ 1348 ـ 1358 م) مشاهداته على الكاتب المريني ابن جزي الكلبي ، وهو سليل بيت من بيوتات العلم بالمغرب (22) ، وانتهى من تدوينها في ثالث ذي الحجة من عام 756 هـ (فبراير 1356م ) (23) .

     وقد وافت المنية ابن بطوطة سنة 770هـ ( 1368/ 1369م ) وهو يتولى آنذاك القضاء بفاس وعمره 67 سنة (24) ، وان كانت رواية أخرى تذكر أنه توفي سنة 779هـ (1377م) (25) .

        والجدير بالملاحظة أنه من خلال استقراء ظروف بيئته ومحيطه العلمي ، لا نستطيع أن نكتشف أن رحلته الى ايران كان وراءها أهداف معينة أو أغراض سياسية أو دعوة لجهة ما ، فالهدف الرئيسي الذي خرج من أجله هو حج بيت الله الحرام كما يشير الى ذلك هو نفسه دون لبس أو غموض (26)  . لكن يبدو أيضا أنه كان يهدف – الى جانب الحج – معرفة البلاد والعباد وتوسيع الأفق والاطلاع على أحوال الدنيا (27) ، وان لم يصرّح بذلك ، فان دافع المعرفة والتشوق لرؤية آفاق العالم كانت كامنة في نفسه . والواقع أن هذا الدافع يمثل قاسما مشتركا بين كل الذين كتبوا في الأدب الجغرافي الاسلامي أو أدب الرحلات مثل المقدسي أو المسعودي وغيرهم (28) . أما التكسب أو(( البحث عن الغنى ))  الذي جعله أحد الباحثين (29) من جملة أهداف الرحلة ، فيبدو غير صحيح . وحسبنا ما عرف به الرجل من زهد وقناعة ، وكان كل ما يحصل عليه من هدايا وأموال ينفقه في سبيل اتمام مشروع رحلته ، والرحلات تحتاج بطبيعة الحال الى تموين .

        ونستنتج من ذلك أن المعلومات التي يوردها حول ايران ستكون - مبدئيا - عفوية وبريئة ، خالية من أي تعصب أو افتراءات .

        وقد وهب الله لهذا الرحالة المغربي - وهو يزور ايران وغيرها من الآفاق - كل الميزات والمؤهلات التي جعلت منه رجلا قادرا على تحمل شروط الرحلة ، اذ كان مثالا نادرا في الصحة وقوة البنية ، وان لم يحل ذلك دون مرضه في مكة عقب الحجة الثانية (30) ، فضلا عن الصبر على تحمل المشاق والشجاعة وسعة الحيلة ، وقليل من العلم والمال ، الى جانب رغبة جامحة في حب السفر والرحلة (31) .

        والجديربالاشارة أنه كان ممنهجا في ترتيب معلوماته ، فكلما دخل مدينة من المدن الإيرانية ، بدأ بوصف عمارتها وزراعاتها وبساتينها ومياهها وأنهرها ووسائل الري فيها ، ثم تحدث عن حاكم المدينة والزوايا والمزارات الموجودة بها ، ليسرد بعد ذلك ما شاهده من عادات الإيرانيين ونظامهم الاجتماعي وعقلياتهم ، لينتقل الى وصف المدينة الموالية ، وذلك بأسلوب سهل لا تأنق فيه ولاتكلف .

        واذا كانت مادته عن الأقطار الأخرى تشوبها بعض الحكايات ذات الطابع الخرافي والعجائبي ، مما يجعلها أقرب الى الأدب الشعبي الأسطوري ، فان نصوصه عن إيران تكاد تخلو من الروايات المهلهلة التي تقفز على ألياف الحقيقة وتخرج على نطاق المعقول ، خلا بعض الاستثناءات التي لا تضر بالسياق العام . فأين نؤطر زمنيا رحلة ابن بطوطة لإيران؟

إن المتتبع لزيارة ابن بطوطة لإيران يلاحظ أنها مرّت عبر مرحلتين :

ـ المرحلة الأولى التي حلّ بها سنة 727 هـ ومكث مدة مستكشفا المجتمع الإيراني . وكانت أول منطقة ايرانية ألقى فيها عصا الترحال هي عبادان ثم مدينة اصفهان ، مرورا بمدن وقرى ايرانية أخرى تقع في الطريق الفاصل بين البصرة واصفهان ، ومن هنالك عرّج على شيراز ثم باقي المدن الإيرانية قبل مواصلة السير نحو الكوفة .

ـ المرحلة الثانية التي زار فيها الرحالة المغربي إيران للمرة الثانية وذلك سنة 748 هـ ابان رجوعه من جاوة ، مرورا بقالقوط وظفار ، حيث دخل في تلك السنة مدينة شيراز ولقي بها الشيخ قاضي القضاة مجد الدين للمرة الثانية بعد احدى وعشرين سنة كان قد قضاها في الهند وغيرها من بلدان الشرق الأقصى ، وقد وجد الشيخ المذكور قد تقدم به العمر وكفّ بصره (32) . وبعد شيراز رجع ثانية الى اصفهان وتستر والحويزاء ، ومن هناك ودّع ايران متجها نحو البصرة  .

ورغم قصر إقامته بالديار الإيرانية ، فإنه قدّم لنا معلومات اجتماعية تعز في المصنفات التاريخية وغيرها ، وذلك من خلال مشاهداته الحية ومعاينته للواقع ، فاختزن في ذاكرته كل ما رآه أو سمعه عن إيران والشعب الإيراني .

وقبل ابراز معالم المجتمع الإيراني كما ورد في رحلة ابن بطوطة ، نشير الى أن إيران كانت تعرف انقساما على صعيد الحكم اذ كان لكل مدينة حاكمها ، وكان الصراع يشتد أحيانا بين هؤلاء الحكام كما يشهد بذلك الرحالة المغربي في رحلته (33) ، الا أن هذه الحالة السياسية المهترئة لم تؤثر على المجال الفكري الذي عرف ازدهارا واسعا كما تشهد على المجالس العلمية التي سنتعرض لها لفي ثنايا هذا البحث  .

        أما على صعيد البنية الفكرية السائدة في المجتمع الاسلامي ابان عصر ابن بطوطة ، فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن القرن الثامن الهجري يمثل بالنسبة للعالم الاسلامي ذروة الطرقية الصوفية التي أفرزت بنية فكرية متخلفة شكلت عصر الانحطاط ، وبرزت كنظام اجتماعي ومؤسسة شعبية تدعمها النظم الاقطاعية العسكرية التي حرصت على تأسيس الزوايا والخوانق والتكايا (34) ، مما تمخض عنه توقف عجلة تطور المجتمع الاسلامي بسبب حالة الجمود الفكري التي فرضها الحكام العرب آنذاك ، حتى أن صورة  الحضارة الاسلامية لاتبدو في محطات ابن بطوطة لامعة كما كانت من قبل (35) .

        ولايخامرنا شك في أن ابن بطوطة ظل أسير الفكر الصوفي الذي ساد عصره ، وهو ما نلمسه من خلال رحلته ، الا أن ذلك لم يؤثر كثيرا على المادة التي يقدمها عن ايران .

        ذلك هو الاطار العام الذي انبثقت منه رحلة ابن بطوطة الى إيران والظرفية التي بلورت توجهاته . فكيف قدم لنا صورة المجتمع الإيراني ؟ وما مدى مصداقية أحكامه عما  شاهده أو سمعه عن الإيرانيين وعاداتهم وتقاليدهم ؟

ثانيا- صورة المجتمع الإيراني كما شاهده ابن بطوطة المغربي :

        بتأمل مشاهدات ابن بطوطة في إيران نكتشف مجتمعا شموليا قائما بسلطانه وحكامه وعامة شعبه . كما نقف على حركيته وأنشطته وأطعمته وأزيائه وكل مظاهره الحضارية الأصيلة . وقد تمكن الرحالة المغربي من الجمع بين طرافة العرض ودقة المعلومات والبراعة في التقاط الصور المعبّرة عن الواقع ، وهو فضلا عن ذلك يبحث في العادات والتقاليد ويسمع الروايات المختلفة ، ويدخل البيوت والمدارس والزوايا ، ويكتشف ما فيها من اطعمة وأثاث وأزياء ، مما يشكل مادة هامة من مواد التاريخ الحضاري . وسنعرض لمشاهداته والصور التي التقطها حول ايران في المحاور التالية :

        على مستوى معمار المدن الإيرانية  :

أمدنا ابن بطوطة بمادة تاريخية وحضارية هامة عن المدن الإيرانية ، فكلما دخل إحداها وصف جوانبها المعمارية ، وما تتميز به من مرافق اجتماعية واقتصادية . وفي هذا السياق وصف مدينة شيراز بأنها (( مدينة أصيلة البناء ، فسيحة الأرجاء ، شهيرة الذكر ، منيفة القدر ، لها البساتين المونقة والأسواق البديعة والشوارع الرفيعة ، وهي كثيرة العمارة ، متقنة المباني ، عجيبة الترتيب )) . كما لم يغفل ذكر مجالها الأخضر من بساتين تحفها من جميع الجوانب ، وأنهار تشفها ، خاصة نهر ركن آباد الذي يتميز ماؤه بالبرودة صيفا والسخونة شتاء(36).

 ومن المظاهر العمرانية التي أثارت انتباه الرحالة المغربي في هذه المدينة الإيوان الذي عزم سلطان شيراز أبو إسحاق محمد شاه ينجو على بنائه اقتداء بإيوان كسرى . وقد حضر ابن بطوطة مرحلة من تأسيسه منذ بدأ حفر أساسه الى أن  بلغ ارتفاعه ثلاثة أذرع، وقدم لنا وصفا لكيفية حفر الأساس من طرف المستخدمين وتنافس هؤلاء في بنائه (37) . وفي معرض حديثه عن مدينة يزدخاص القريبة من أصفهان  ، يعطي انطباعا عاما حول معمارها فيصفها بأنها (( متقنة العمارة )) . وبالمثل ، استرعى انتباهه  الطرق التي تم نحتها في الصخور وسويت مع البسيط رغم وعورة المنطقة الجبلية المحيطة بمدينة أيدج الواقعة بين خوزستان واصبهان (38)بحيث كان بإمكان الدواب أن تصعد بأحمالها رغم صعوبة المواصلات (39).

        ومما أثار إعجاب الرحالة المغربي ما تتميز به بعض المدن الإيرانية من ثروات شجرية كانت تنتج مختلف أصناف الفواكه ؛ وكنموذج لذلك نسوق ما أورده عن مدينة أصفهان حيث يستعرض مجموعة من الفواكه المنتشرة بها كالمشمش والسفرجل المتميز بطيب مطعمه وعظم جرمه ، فضلا عن العنب و البطيخ الذي ذكر أن الإيرانيين يدخرونه بعد تجفيفه ، كما يدخر المغاربة التين (40) .

        وبالمثل أورد ابن بطوطة جباية بعض المدن الإيرانية كما هو الحال بالنسبة لجباية شيراز التي أخبره متولي جبايتها أنها كانت تبلغ عشرة آلف دينار في كل يوم ، أي ما قدره من الصرف المغربي حسب ابن بطوطة نفسه ألفان وخمسمائة دينار ذهبا(41).

والحاصل من هذه النصوص المعمارية أن الرحالة المغربي يقدم مشهدا متكاملا لعمران المدن الإيرانية ومجالها الأخضر ومياهها ووسائل الري ، مما يعكس طابعها الحضاري .

أسواق المدن الإيرانية :

        لقد تجول ابن بطوطة في الأسواق الإيرانية فزودنا بمجموعة من النصوص  نذكر من بينها سوق الفاكهة بشيراز الذي نعته بأنه من (( أبدع الأسواق )) ، بل فضله على سوق باب البريد بدمشق (42) . كما أشار ابان حديثه عن مدينة يزد - وهي من أعمال فارس كما يقرر ياقوت الحموي (43)، فذكر أنها (( عجيبة الأسواق )) (44) . بل ان ابن بطوطة يزودنا أحيانا بأسعار بعض الفواكه المعروضة للبيع في الأسواق كما هو الحال بالنسبة لسوق بلدة كليل القريبة من أصفهان ، إذ يذكر أن التفاح كان يباع في سوقها بخمسة عشر رطلا عراقية بدرهم ، مبيّنا العملة الإيرانية بقوله : (( ودرهمهم ثلث النقرة )) (45).

        ويبدو أن هذه الأسواق عرفت تنظيمات حرفية بدليل قول ابن بطوطة وهو يتحدث عن الحرفيين بسوق أصفهان : (( وأهل كل صناعة يقدمون على أنفسهم كبيرا منهم يسمونه الكلو)) . ويحتمل أن يكون هو النقيب الذي يمثل الحرفيين أمام محتسب الأسواق أو أمام السلطة لرعاية مصالح الحرفيين .

المساجد والزوايا والمدارس الإيرانية :

        نظرا لشدة تدين ابن بطوطة ونزعته الصوفية ، فقد كان حريصا على إيراد مجموعة من النصوص حول المساجد والزوايا الإيرانية ؛ ففي طريقه من البصرة إلى أصفهان مرّ بعبادان ، فأشار إلى كثرة مساجدها وانتشار رباطات الصالحين بها (46) . وعند وصوله إلى أشتركان لا حظ وجود مسجد بديع يشقه نهر (47)، كما شاهد  مسجدا  في بلدة يزدخاص، فذكر أنه مبني بالحجارة ومسقف بنفس المادة . لكن المسجد الذي حظي بحصة الأسد في أوصاف ابن بطوطة تمثل في المسجد الأعظم بشيراز الذي كان يسمى المسجد العتيق . وقد نعته بأنه من أكبر المساجد مساحة وأحسنها بناء ، وبأن صحنه متسع مفروش بالمرمر ، وأنه يغسل كل ليلة خلال فصل الصيف ، ويجتمع فيه كبار أهل المدينة ما بين صلاة المغرب والعشاء (48) .

        وحين كان ابن بطوطة يتجول في اسواق شيراز دخل مسجدا آخر متقن البناء ، جميل الفرش ، وبه مصاحف داخل أكياس من حرير موضوعة فوق كرسي . كما وجد شيخا جليلا يقرأ في مصحف فحاوره ، وتبيّن من خلال الحوار أنه هو الذي عمّره وحبّس عليه أحباسا للفقراء وغيرهم(49).

        ولا يخامرنا شك في أن المساجد الإيرانية كانت تلعب دورا تعليميا وتثقيفيا حيث كانت تلقى فيها الدروس والمواعظ . وقد حضر الرحالة المغربي نفسه بعض الدروس في المسجد الجامع بمشهد الشيخ روزبهان البقلي وهو من أهل شيراز، ألقاها القاضي مجد الدين اسماعيل الذي كان يسمع كتاب مسند الإمام أبي عبد الله محمد بن ادريس الشافعي وكتاب " مشارق الأنوار " لأبي الفضائل الحسن الصائغي (50) .

        أما الزوايا في إيران ، فيتضح من خلال رحلة ابن بطوطة أنها كانت منتشرة بشكل كبير ، إذ لا يكاد الرحالة المغربي يمر من مدينة أو قرية إيرانية إلى أخرى إلا ويجدها متناثرة ، خاصة أن هذه الزوايا كانت تلعب دورا اجتماعيا في إيواء المسافرين واستضافة الغرباء . وفي هذا السياق يقول ابن بطوطة في معرض حديثه عن لقائه بأحد العلماء الإيرانيين : (( وله النظر في كل الزوايا … وأنزلني زاوية تعرف باسم الدينوري )) (51) . ويقول عن زاوية أخرى في مدينة إيذج : (( وفي كل منزل من منازلها زاوية يسمونها المدرسة ، فإذا وصل المسافر إلى مدرسة منها أتى بما يكفيه من الطعام والعلف لدابته )) (52).

        وعندما حلّ بأصفهان ، كان أول ما نزل في زاوية تنسب للشيخ علي بن سهل تلميذ الجنيد ، وهي معظمه عند أهل أصفهان يقصدونها للتبرك بها )) .

        وقريبا من الزوايا ، انتشرا بإيران الرباطات مثل الرباط الموجود خارج بلدة يزدخاص والذي كان ينزله الغرباء والمسافرون (53) . ويسرد ابن بطوطة ايضا عددا من المشاهد المتناثرة في مدينة شيراز ، مثل مشهد الشيخ الصالح زركوب الذي توجد به زاوية لإطعام كل من يقصدها للزيارة ، ومشهد أحمد بن موسى ومشهد الشيخ الصالح المعروف بالسعدي ، ومشهد روزبهان البقلي (54) .

        وحسب مشاهداته ، فإن الزوايا كانت تشتمل على مدارس ، كما كانت بعضها   غير ملحقة أحيانا بالزوايا مثل مدرسة السلاطين التي نزل بها الرحالة المغربي بعد مغادرته مدينة إيدج . وكان ابان خط رحلته الممتد من البصرة إلى أصفهان يمر بعدد من المدارس فينزل بها دون إغفال ذكر اسمها(55) .

        ولعلّ أن أهم مدرسة حظيت بوصف ابن بطوطة هي المدرسة المجدية المنسوبة إلى الشيخ القاضي مجد الدين اسماعيل بن محمد بن خداد الكائنة بمدينة شيراز . فعند لقائه بهذا الشيخ خلال رحلته الأولى ، يذكر أنه التقى به في هذه المدرسة فقام اليه وعانقه وأخذ بيده. وبعد الصلاة قرئ بين يديه كتاب " المصابيح وشوارق الأنوار للصاغاني " ؛ وعند انتهاء الجلسة العلمية صاحبه الشيخ وأنزله بمنزل صغير بالمدرسة ، مما يدل على أن هذه الأخيرة كانت تحتوي على منازل لإيواء طلاب العلم والغرباء على الخصوص (56) . أما بقية المدارس الأخرى فيكتفي ابن بطوطة بذكر أسمائها كمدرسة طاش خاتون أم سلطان شيراز أبي إسحاق المذكور سلفا ، ومدرسة أخرى بنيت إزاء قبر شمس الدين السماني (57) .

        فضلا عن المدارس ، ورد وصف الحمامات الإيرانية ولو في اشارة واحدة لدى ابن بطوطة عند حديثه عن زاوية الشيخ علي بن سهل بأصفهان ، حيث ذكر أن بها (( حمام عجيب مفروش بالرخام وحيطانه بالقاشاني )) (58) ، والراجح أن جل الحمامات الإيرانية كانت على هذه الشاكلة ، وهي على كل حال نموذج مصغر لطراز الحمامات الإسلامية .

فئات المجتمع الإيراني :

الطبقة الحاكمة :

        كان ابن بطوطة بارعا في وصف النخبة الحاكمة والوقوف على أسماء الحكام ، فهو يذكر أن أمير مدينة أيدج ابان دخوله إليها كان هو السلطان أتابك أفراسياب بن السلطان أحمد (59). أما سلطان شيراز فيسهب في ذكر تفاصيل هامة عنه ، فيذكر اسمه الذي هو أبو اسحاق بن محمد شاه ينجو ،  ويثني على سلوكه فينعته بأنه (( من خيار السلاطين )) ويصفه بأنه (( حسن الصورة والسيرة والهيئة ، كريم النفس جميل الأخلاق ، متواضع صاحب قوة وملك كبير )) ، ثم يعطي إحصاءا حول عساكره فيقدرها بخمسين ألفا من الترك والأعاجم . ويذكر أنه كان لا يقرّب إليه سوى أهل أصفهان لعدم ثقته في أهل شيراز الذين أقصاهم من دائرة الحكم ، ومنع عنهم حمل السلاح تخوفا منهم وتحرزا ، وكل من وجد بيده السلاح كان يتعرض لأشد العقوبات . وقد شاهد الرحالة المغربي مشهدا يؤكد صدق أقواله إذ رأى رجلا مكبلا من عنقه ، فلما استقصى خبره أبلغ بأن اعتقاله  كان بسبب حمله قوسا  خلال الليل . وفي نص آخر يذكر أنه كان لهذا السلطان مصيف خاص يروح به عن النفس ، وهو المصيف المعروف بقراباغ (60).

والراجح أن هذا الأخير كان يتزوج بعدد من النساء كما تشير الى ذلك رواية ابن بطوطة حول قاضي شيراز مجد الدين اسماعيل ، وما أظهره من كرامة بهرت سلطان شيراز الذي أدخله الى داره ، وأمر نساءه  بتعظيمه والتبرك به (61) . ويشي ورود مصطلح النساء في صيغة الجمع بتعدد نساء السلطان . وفي موضع آخر من الرحلة يصف أيضا والد هذا الأخير أيضا بأنه (( كان حسن السيرة محببا إلى أهلها )) (62) .

        ويتعرض لصراع السلطان أبو إسحاق بن محمد شاه ينجو مع الأمير مظفر شاه صاحب مدينة يزد فيذكر عبر نصوص تاريخية هامة كيف استسلم هذا الأخير وكيف تم الاتفاق بينهما على أن تكون الخطبة لأبي إسحاق والمدينة لمظفر (63)

وحسب المعلومات التي يقدمها الرحالة المغربي ، يستشف أن فرقة من الشرطة يسميها بالجنادرة كانت تتولى مهمة السهر على أمن الدولة (64). وبذاك أفلح ابن بطوطة في انارة بعض الزوايا في مجال السياسة ونظم الحكم .

العلماء والصلحاء :

        كان ولع ابن بطوطة بملاقاة العلماء شديدا الى درجة أنهم كانوا أول من تطمح نفسه لملاقاتهم ، لذلك حرص كل الحرص على أن يذكر أسماء العلماء الذين التقى بهم في طريقه من البصرة إلى أصفهان ، ففي خط رحلته من البصرة الى اصفهان ، التقى بأحد شيوخ العلم وهو الإمام الصالح شرف الدين موسى بن الشيخ صدر الدين سليمان الذي نعته بالرجل الجامع بين الدين والعلم والصلاح ، ووصفه بأنه (( من أحسن الناس صورة وأقومهم سيرة )) . وأضاف أنه من عادته وعظ الناس بعد صلاة الجمعة بالمسجد الجامع . وبعد أن حضر إحدى مجالسه العلمية خلص إلى القول بأنه صغر في عينه كل العلماء الذين التقى بهم قبل ذلك بالحجاز والشام ومصر . وروى الرحالة المغربي أنه حضر إحدى مجالسه ببستان كان يملكه على ضفة النهر وقد وفد عليه علماء المدينة وفقهاؤها ، فأطعم الجميع وصلى الظهر ثم قام خطيبا وواعظا بعد أن قرأ القراء أمامه بالتلاحين المبكية والنغمات المحركة المهيجة ، وتصرف في مناحي العلوم الدينية من تفسير القرآن والحديث ، ثم أخذ الحاضرون يوجهون إليه أسئلة كتبت على رقاع وهو يجيب عنها ، بل إن مجموعة من الناس الذين تابوا الى الله ، بادروا إلى ملاقاته ، فأخذ عليهم العهد بأن لا يرجعوا إلى ما كانوا عليه (65).

        ومن شيوخ العلم الذين نالوا إعجاب الرحالة المغربي بأصفهان الشيخ قطب الدين حسين بن الشيخ شمس الدين محمد وأخوه العالم المفتي شهاب الدين أحمد حيث يقول عن الأول : (( فرأيت من اجتهاده في العبادة وحب الفقراء والمساكين وتواضعه لهم ما قضيت منه العجب )) (66). ويذكر اسم عالم آخر بمدينة شيراز اسمه الشريف مجد الدين سالف الذكر الذي كان يتلقى مرتبا من السلطان يساوي خمسين دينارا دراهم (67). كما يذكر عالما آخر كان يتميز فضلا عن علمه بقرض الشعر وهو الشيخ الصالح المعروف بالسعدي المدفون خارج مدينة شيراز ، فيقول عنه أنه (( كان أشعر أهل زمانه باللسان الفارسي ، وربما ألمع في كلامه بالعربي ))(68) .

        ويبدو أن شهرة بعض شيوخ العلم الإيرانيين سبقتهم لدى الرحالة المغربي ، فكان يخطط للقائهم أثناء رحلته ، ويعمل جاهدا لبلوغ ذلك ،  وهو ما يتضح من قوله : (( وعند دخولي إلى مدينة شيراز لم يكن لي همّ إلا قصد الشيخ القاضي الإمام قطب الأولياء فريد الدهر ذي الكرامات الظاهرة مجد الدين اسماعيل بن محمد بن خداد  ))(69) ، ويحكي لنا مشاهداته في المجلس العلمي الذي عقده هذا الشيخ بحضور القضاة والعلماء . ويفهم من روايته المكانة الكبيرة والتقدير والإجلال الذي كان يلاقيه هذا العالم ، حتى أن أهل شيراز لم يكونوا يدعونه بالقاضي ، وإنما يستعملون تعبير (( مولانا الأعظم )) كناية عن التعظيم والإجلال ، بل إن سلطان شيراز نفسه - كما يشهد على ذلك ابن بطوطة - لقيه جالسا (( بين يديه ممسكا بأذن نفسه ، وذلك هو غاية الأدب عندهم ، ويفعله الناس إذا قعدوا بين يدي الملك)) .

        الى جانب العلماء ، يذكر الرحالة المغربي أخبار مجموعة من الصلحاء في إيران وذلك عبر روايات تشبه الكرامات الصوفية ،  ومنهم رجل عابد لم يذكر اسمه ، ولكنه لمّح الى أنه من عبدان وأنه كان يأتي إلى ساحل البحر مرة في الشهر ليصطاد ما يقوته شهرا ثم لا يرى في ذلك الساحل إلا بعد تمام الشهر(70) .

        وفي نفس المنحى يذكر أنه كان جالسا بأحد مساجد شيراز وهو يتلو القرآن ، فتمنى لو كان له مصحف يقرأ فيه ، فإذا بشاب يدخل عليه ويعطيه مصحفا وينصرف ،  فلما سأل عنه أخبر بأنه بهلول الشولي (71) .

طبقة الشرفاء :

        يتحدث ابن بطوطة عن هذه الفئة الاجتماعية التي لاحظ وجودها بكثرة في شيراز ، ويبيّن أنه كان للشرفاء تنظيم نقابي ، وأن نقيبهم يدعى عضد الدين الحسيني . كما اشار إلى المرتبات التي كان يخصصها سلطان شيراز لهم وهي أكثر من ألف وأربعمائة درهم (72).

     العبيد والخدم :

        ارتبط وجود العبيد والخدم ببلاط السلطان أو البالزوايا ، ففي إحدى الروايات التي أوردها ابن بطوطة حول وفاة أحد الأمراء ذكر أنه ذهب مع وفد للعزاب فوجد مجلس السلطان غاصا بأبناء الملوك ولوزراء والأجناد ومعهم المماليك (73) ، وتأتي إشارة عبيد البلاط في معرض حديث ابن بطوطة عن السلطان أتابك أفرا سياب الذي كان يخصص ثلث الخراج لنفقته الخاصة ونفقة عياله وعبيده وخدامه (74).

        أما الخدم المرتبطون بالزوايا والذين كانوا يقدمون الخدمات للغرباء وكل من قصد تلك الزوايا فقد أشار إليهم ابن بطوطة حتى تحدث عمّا شاهده في زاوية الشيخ الصالح شرف الدين موسى حيث قدم معلومات عن اربعة من الخدم أو الفتيان ، ذكر أسماءهم وبيّن المهمة الملقاة على عاتق كل واحد منهم إذ تكلف أولهم بأحباس الزاوية ، بينما تكلف الثاني بما تحتاج إليه من نفقات يومية ، في حين كان الثالث يتكلف بخدمة الساماط بين أيدي الواردين ، بينما أنيط الرابع بمهمة النظر في الطباخين والسقائين والفراشين (75) التي أنيطت بهم .

أوصاف الإيرانيين وعاداتهم وتقاليدهم في رحلة ابن بطوطة .

المجال الأخلاقي :

        تعتبر رحلة ابن بطوطة وثيقة اجتماعية تعبّر عن مشاهدات حية عن أهل إيران وعاداتهم وحياتهم اليومية . وبصفة عامة فأوصاف الرحالة المغربي لهم تبرز مدى دماثة وحسن أخلاقهم وتدينهم وورعهم ؛ فعن سكان مدينة أصفهان يقول الرحالة المغربي أنهم (( حسان الصور وألوانهم بيض زاهرة ، مشوبة بالحمرة ، والغالب عليهم الشجاعة والنجدة ))(76) . أما أهل شيراز فهم (( أهل صلاح ودين وعفاف )) (77) و (( ليس في معمور الأرض أحسن أصواتا بالقرآن من أهل شيراز )) (78) . واشتهر الإيرانيون بالحفاظ على طهارتهم ونظافتهم ، وهو ما لاحظه ابن بطوطة بخصوص سكان مدينة يزد (79) ، وكذلك أهالي مدينة شيراز التي وصف أهلها بأنهم (( حسان الصور ، نظاف الملابس ))(80) . كما شاهد بعض الإيرانيين خارج شيراز وهم ينظفون ثيابهم بماء النهر(81).

الأطعمة الإيرانية :

        سجّل لنا ابن بطوطة في رحلته مجموعة من أصناف الأطعمة التي كانت تتميز بها المائدة الإيرانية ، وهي أطعمة شاهدها بالعيان أو أكلها بنفسه في المدارس أو الزوايا ، ويمكن رصد هذه الأصناف فيما يلي :

-       الأسماك التي أكلها في إحدى الزوايا التي مرّ بها وهو في طريقه من البصرة إلى أصفهان ، وقد أعجب بها فعبّر عن ذلك بقوله : (( وما أكلت قط سمك أطيب منها ))(82).

- وفي نفس الطريق مرّ بقرى تقع فيها رباطات وزوايا ، وفي كل واحدة منها قدم له الخبز واللحم والحلواء ، فكانت مناسبة لمعرفته الطريقة التي يصنع منها الإيرانيون الحلواء وهي (( مزج رب العنب بالدقيق والسمن )) .

-       وقبل وصوله إلى أصفهان مرّ بتستر التي كان بها شيخ يطعم الواردين أصنافا من الأطعمة المكونة من الأرز المفلفل المطبوخ في السمن والدجاج المقلي والخبز واللحم والحلواء(83).

-       وعند  وصوله إلى مدينة يزدخاص ، شاهد نوعا من الجبن المتميز المعروف ب (( الجبن اليزدخاصي )) نسبة إلى هذه المدينة التي يشتهر فيها ، مشيرا إلى سعر الجبنة يساوي ما بين أوقيتين إلى أربع .

-       وفي معرض حديثه عن وصوله إلى كازرون من أعمال فارس وزيارته لزاوية الشيخ أبي اسحاق يذكر أن من عادة أهل تلك الزاوية إطعام كل الغرباء الهريسة المصنوعة من اللحم والسمن ، وجرت العادة أن يؤكل كل ذلك بالرقاق (84).

ويحيلنا الحديث عن الأطعمة إلى تناول عادة الكرم التي تميز بها الإيرانيون ، وهي خصلة شهد لهم بها ابن بطوطة غير ما مرة ؛ ففي معرض حديثه عن زاوية الشيخ أبي اسحاق المذكورة سلفا ، يذكر أن أهلها (( لا يتركون الوارد عليهم للسفر حتى يقيم الضيافة ثلاثة )) (85) أي ثلاثة أيام ، وهي عادة اسلامية أصيلة تعكس قيم المجتمعات المتحضرة . أما  سكان شيراز فيعتبرون أنموذجا في الكرم ، وحسبنا وصف ابن بطوطة لفقيههم الشريف مجد الدين بأن (( أمره في الكرم عجيب )) ، وهو وصف لم يذكره الرحالة المغربي اعتباطا أو مبالغة لما رآه في إفراطه في الكرم حتى أنه كان يتصدق بملابسه (86) ولم يكن أهالي مدينة أصفهان يقلون عنهم شأنا في الكرم ، شفيعنا في ذلك ما ذكره ابن بطوطة من أن (( فيهم كرم وتنافس عظيم فيما بينهم في الأطعمة )) ، وينقل بعض عاداتهم في الكرم حيث أن الأصفهاني يلتمس من صاحبه أن يصحبه للمنزل ليأكل معه الخبز واللبن ، فإذا ذهب معه فاجأه بجميع أصناف الأطعمة الرفيعة المستوى ، بل  ان الاصفهانيين كانوا يتنافسون في الضيافة حيث أورد ابن بطوطة رواية عن طريق السماع يذكر فيها أن طائفة من عامة اصفهان استضافوا طائفة أخرى ، فطبخوا طعامهم بنار الشمع ، فما كان من الطائفة الثانية الا أن استضافت الأولى وأرادت أن تنافسها وتظهر تفوقها عليها ، فطبخت لها الطعام بالحرير ! )) (87) .

وقد استفاد ابن بطوطة من كرم الأصفهانيين حيث يذكر في احدى نصوص رحلته أنه عندما كان مقيما بزاوية الشيخ علي بن سهل ، رأى بأحد البساتين التي كانت في ملكية شيخ الزاوية ثيابا جميلة أعجبته فطلبها من الشيخ الذي وهبها له دون تردد (88) .

وعن كرم الإيرانيين يتحدث الرحالة المغربي عن أحد شيوخ زاوية ببلدة  كليل قرب  أصفهان ويدعى خواجه كافي ، يقول عنه أن له مال عريض قد أعانه على إنفاقه في سبيل الخير وإطعام الفقراء وأبناء السبيل (89) . كما أشاد بكرم سلطان شيراز الذي كان يريد أن يحذو حذو ملك الهند في الكرم وإن لم يصل إلى درجة سخائه الحاتمي (90) .

وكانت أوقاف الزوايا تخصص كذلك للغرباء ، وفي هذا الصدد يذكر ابن بطوطة أنه كان من عادة القائمين على زاوية بمدينة إيذج أن يعطوا للمسافر الذي قصد زاويتهم ما يكفيه من الطعام والعلف لدابته سواء طلب ذلك أم لم يطلبه ، ويأتي خادم المدرسة فيحصي عدد النازلين بها ، ثم يعطي لكل واحد منهم قرصين من الخبز ولحما وحلواء،  ويحتسب جميع ذلك من الأحباس التي أوقفها السلطان على الزاوية (91).

الأزياء الإيرانية :

نعثر في ثنايا رحلة ابن بطوطة لإيران على أسماء بعض الأزياء التي جرت عادة  الإيرانيين على لبسها ، من ذلك على سبيل المثال زي إيراني يدعى " هزرميخي " وهو عبارة عن جبة بيضاء كان يرتديها شيخ الزاوية في شيراز الامام قطب الدين حسين ، فضلا عن الطاقية التي كانت توضع على الرأس وتسمى بالفارسية " الكلا " (92) . ويفهم من إحدى مشاهدات الرحالة المغربي وهو في طريقه إلى أصفهان أن الفقراء في إيران كانوا يرتادون في أيام المطر والبرد والثلج ، خاصة خلال الأسفار لباسا مصنوعا من الصوف الذي يشبه اللبد (93). أما في مناسبات العزاء فكان بعض الإيرانيين يلبسون التلاليس أو يضعون فوق ثيابهم خامة من القطن الغليظ ، كما سنفصل عند ذكر عادات العزاء والموت (94) .

بعض العادات الاجتماعية :

        يستطيع الباحث من خلال تتبع رحلة ابن بطوطة لإيران أن يرصد بعض العادات الاجتماعية السائدة ، ومنها ما ذكره عن عادة تبرك الايرانيين بالمشاهد والأضرحة مثل مشهد أحمد بن موسى الذي كانوا يتوسلون به الى الله . وكذلك مشهد القطب الولي أبي عبد الله خفيف الذي يذكر الرحالة المغربي أنه (( قدوة بلاد فارس كلها ، ومشهد معظم عندهم ، يأتون اليه بكرة وعشيا فيتمسحون به )) (95). وبالمثل كان الإيرانيون يتبركون أيضا بتربة القبور والزوايا ، وهو ما شاهده ابن بطوطة عندما دخل اصفهان ، اذ لاحظ أن أهلها يتبركون بزاوية تنسب للشيخ علي بن سهل تلميذ الجنيد (96) .

ومن العادات السائدة في شيراز أن السلطان إذا خلع ثيابه على أحد ، فإنها تكون شرفا له ولبنيه وأعقابه ، يتوارثونه ما دامت تلك الثياب أو قليل منها في ملكهم ، وكان أهمها هي السراويل (97) .

        ويلقي الرحالة المغربي الأضواء في عدة مناسبات حول عادات الإيرانيين في تشييع جنائز الموتى ودفنهم ، فقبل دخوله أصفهان مرّ بمدينة فيروزان ،  فرأى أهلها وهم يشيّعون جنازة وقد أوقدوا خلفها وأمامها المشاعل ، وصاحبوها بالمزامير والغناء ، الأمر الذي تعجّب منه ابن بطوطة ورأى فيه نوعا من الغرابة (98) .

        وأثناء وصفه للمشاهد والأضرحة بشيراز ، يتحدث ابن بطوطة عن عادة أهل شيراز في دفن موتاهم ، فيذكر أن الرجل إذا توفي أحد من أفراد أسرته يتخذ له تربة من بعض بيوت منزله ويدفنه هناك ، ويفرش البيت بالحصر والبسط ، ويضع عددا من الشموع عند رأس الميت ورجليه ، ويجعل للبيت بابا يطل على الزقاق كما يضع له شباكا من حديد ، فيدخل منه القراء يتلون عليه كتاب الله ، ويعتني أهل المنزل بالتربة ويفرشونها ويوقدون السرج بها ، فكأن الميت لم يرحل . ويضيف ابن بطوطة الى هذه العادة رواية التقطها عن طريق السماع أن أهل المنزل يطبخون كل يوم نصيب الميت من الطعام ويتصدقون به عليه (99) .

        ويبدو أن فكرة الموت والتفكير في الدفن كان يتم الإعداد لها إبان الحياة من طرف بعض الإيرانيين ، دليلنا في ذلك ما رواه الرحالة المغربي عن رجل لقيه بمسجد في شيراز فدخل معه في حوار ، وأخبره بأنه حبّس أحباسا على المسجد ، وأراه صندوقا كان إزائه يحتوي على كفنه وحنوطه ، ودراهم حلال كان استأجر بها نفسه في حفر بئر لرجل صالح لتكون نفقة دفنه ، وأن ما بقي منها يتصدق به على الفقراء(100) .

        أما عادة العزاء بعد الموت عند الإيرانيين فنستشفها من خلال ما ذكره ابن بطوطة عن وفاة أحد الأمراء حيث أن الجند والحشم وأبناء الملوك والوزراء لبسوا التلاليس وهي الملابس المصنوعة من الخوص ، وجعلوا فوق رؤوسهم التراب والتبن ، بينما جزّ بعضهم ناصيته وتوزعوا إلى فرقتين ، فرقة بأعلى المجلس السلطاني والأخرى بأسفله ، وتقوم كل واحدة بالزحف نحو الأخرى وهم يضربون بأيديهم وصدورهم مرددين عبارة (( مولاي أنا )) ، وهو ما اعتبره ابن بطوطة (( أمرا فظيعا )) لم يعهد مثله (101) . ويزيد في رسم هذه الصورة الغريبة بقوله أنه رأى القضاة والخطباء والشرفاء قد استندوا إلى أسوار المشور وهم بين باك ومتباك ، وقد لبسوا فوق ثيابهم خامة من غليظ القطن غير محكمة الخياطة ، بطائنها إلى أعلى ، ووجوهها مما يلي أجسادهم ، وعلى رأس كل واحد منهم خرقة أو مئزر أسود . ويستمر الأمر على هذه الحالة مدة أربعين يوما وهي موعد نهاية الحزن عندهم ، وبعد ذلك يبعث السلطان لكل من شارك في هذا المأتم بكسوة كاملة . وعادة ما تتم مراسيم دفن الملوك بتشييع الجنازة وهي تمشي بين المشاعل والشموع إلى المدفن الخاص بهم (102) .

المرأة الإيرانية :

        استرعت أخلاق المرأة الإيرانية اهتمام ابن بطوطة فوصفها بأحسن الصفات الخلقية ، خاصة المرأة في شيراز إذ يقول بهذا الصدد : (( أهل شيراز أهل صلاح ودين وعفاف ، وخصوصا نساؤها )) ، مما يعني أن الرحالة المغربي سجّل انطباعا إيجابيا حول نساء شيراز خاصة في مجال التدين والعفة . ويضيف إلى هذه الشهادات أوصافا أخرى حول لباسهن تزكي حكمه السابق حول صلاحهن وورعهن حيث يذكر أنهن لا يخرجن متبرجات ، بل متلحفات ، ويضربن على وجوههن خمارا توخيا للحشمة والعفة (( فلا يظهر منهن أي شيء )) ، مما يعكس طابع الزي الاسلامي الذي التزمت به المرأة الإيرانية . ويردف إلى هذه الأوصاف حول نساء شيراز بأنهن كنّ يتمتعن بميزة أخلاقية أخرى ، وهي التصدق والإيثار والإحسان ، معطيا بذلك صورة لامعة عن المرأة الإيرانية .

        إلى جانب هذه القيم الخلقية للمرأة في شيراز، يمدنا الرحالة المغربي بصورة مشرقة أخرى تتعلق هذه المرة  بمشاركتها في المجالس العلمية ، فقد شاهد عددا كبيرا من النسوة في شيراز يتراوح عددهن ما بين الألف والألفين  تجتمعن كل يوم اثنين وخميس وجمعة بالجامع الأعظم لسماع درس الواعظ ، دون أن يثنيهن فرط الحرارة عن متابعة هذه الدروس ، فقد كنّ  يمسكن المراوح في أيديهن للتخفيف من الحرّ والاستمرار في حضور دروس الوعظ الدينية . والملاحظ أن ابن بطوطة روى هذا المشهد النسائي بنوع من الغرابة لأنه لم يعتد في المناطق التي مرّ منها من قبل رؤية مثل هذا المشهد الذي تشارك فيه المرأة في الحياة العلمية ، لكن غرابة الرحالة المغربي كانت من النوع الإيجابي حيث أعجب بدور المرأة الإيرانية ودخولها حلبة العلم (103) .

        وفي موضع آخر يتحدث ابن بطوطة عن طاش خاتون أم السلطان أبو اسحاق بن محمد بن شاه سلطان شيراز، فيذكر أنها بنت بمشهد أحمد بن موسى بشيراز مدرسة كبيرة وزاوية تطعم كل من قصدها ، وكانت تحضر الاحتفالات الدينية التي كانت تقام في هذا المشهد كل ليلة اثنين ، وتتبعها من خلال شباك يوجد بغرفة مطلة على المسجد (104) .

        كم كانت نفس المرأة تحضر مشهد الإمام القطب الولي أبي عبد الله خفيف ، وتأتي إلى المسجد الكائن بهذا المشهد كل ليلة جمعة (105) .

        والحاصل من هذه النصوص حول المرأة الإيرانية أنها تعكس تدينها ورغبتها الكبيرة في الاغتراف من حياض المعرفة والعلم .

رابعا- قيمة أحكام ابن بطوطة حول المجتمع الإيراني :

        لاجدال في أن معلومات ابن بطوطة حول المجتمع الإيراني تعتبر من الأهمية بمكان ، لما تلقيه من أضواء مبهرة على الشرائح الاجتماعية وعاداتها وتقاليدها وعقليتها . ولا شك أن معظمها يتسم بالأصالة والجدة . ورغم أنها موجزة وسطحية أحيانا ، الا أنها على العموم تشكل " تقريرا " فريدا ومتميزا عن أحوال عمان في عصره . لكن ما مدى مصداقية معلومات ابن بطوطة حول المجتمع الإيراني ؟

        يمكن القول أن هناك بعض المؤشرات التي تشكل في نظرنا أسسا لمصداقية ابن بطوطة نذكر من بينها :

        1 ـ لم يكن من مصلحة ابن بطوطة أن يتعمد الكذب أو أن يجامل أهل إيران في انطباعاته ، لأنه أملى رحلته بعيدا عنهم ، وعلى مدى زمني يربو على ربع قرن .               2 ـ ان عمان بلد اسلامي ، كانت تسوده الى جانب اللغة الفارسية اللغة العربية خاصة في الأوساط العلمية والشيوخ  الذين التقى بهم ابن بطوطة ( هامش : يقول عن أحد علماء شيراز ولو أنه لم يلتق به (( كان أشعر أهل زمانه باللسان الفارسي ، وربما ألمع في كلامه بالعربي )) (106) .

 . ورغم أن الأخير لم يكن على دراية تامة باللغة الفارسية ، فإنه لم يجد صعوبة في فهمها ، بل كان أحيانا يذكر مصطلحات بالفارسية ويترجمها للقارئ مثل المصطلحين اللذين سمعهما من أهالي اصفهان وهما "نان " التي تعني الخبز و"ماس " التي تعني اللبن(107)  ، و" الكلا " التي تعني الشاشية (108) و " الكت " الذي يعبّر به أهل شيراز عن السرير، و" المورة " التي تعني عندهم الوسادة أو المتكأة (109) ، الى غير ذلك من المصطلحات . لذلك لا نعتقد أن الرحالة المغربي وجد صعوبات في فهم وسيلة التعبير لدى المجتمع الإيراني ، ولم يشر الى ذلك ولو مرة واحدة ، مما يدل على أن أحكامه ناتجة عن فهم  للغة المجتمع الذي كتب عنه .

        3 ـ ليس ثمة دليل يكشف عن " تدخل " ابن جزي كاتب الرحلة أو مشاركته في كتابة ما أملاه ابن بطوطة حول إيران ، فإضافات الكاتب المريني منعدمة تماما في الحيز الذي خصص للمجتمع الإيراني، عكس بعض  بلدان الشام والجزيرة التي لم يتورع الكاتب عن اقحام كلام ابن جبير فيها (110) . كما تخلو الصفحات التي خصصها لإيران من أي أشعار أو تعليقات جانبية حشرها الكاتب المذكور ، ومن ثم لم تتجاوز ريشة هذا الأخير الصياغة الأدبية (111) ، مما يؤكد أن اللوحة التي رسمها ابن بطوطة عن المجتمع الإيراني كانت خالصة ومتحررة من كل  " سطو " خارجي ، وهذا ما يزيد من قيمتها التوثيقية .

        4 ـ ان قراءة النص الرحلي عن إيران تكشف قوة ذاكرة الرحالة المغربي . وحسبنا ذكره في العديد من المناسبات أسماء الأشخاص الذين التقى بهم ، فلم ينس أسماء العلماء الإيرانيين الذين التقى بهم أو شيوخ الزوايا الذين صحبهم أو أسماء المشاهد ، بل لم تغب عن ذاكرته حتى أسماء الخدم في الزوايا التي زارها( انظر ص209) .فكان يذكرهم في كل مناسبة ، بل في كل صفحة من الصفحات التي خصصها لإيران (انظر ص 219 ،216،  220 ، 222 ،221 ، 223 ، 224) . ورغم  مرور حوالي ثلاثة عقود من الزمن على زيارته لإيران ، فإنه ذكر بدقة الأطعمة التي أكلها والأزياء التي شاهدها ونوعية الأثاث الذي رآه في المنازل التي دخلها . ولا نجد الرحالة المغربي يعتذر - ولو مرة واحدة - عن نسيان شيء معين شاهده في إيران ، في الوقت الذي اعتذر في مناسبات عدة بالنسبة لبلدان أخرى ، مما يوحي بأن ذاكرته لم تصب بآفة النسيان أثناء عرضه لمادته عن المجتمع الإيراني ، وحسبنا أنه كان يذكر أحيانا التواريخ بدقة ، فعندما التقى بشيخ الزاوية في شيراز القطب الدين حسين ، ذكر أنه أجازه وألبسه طاقيته (( في الرابع عشر لجمادي الأخير سنة سبع وعشرين وسبع مائة ))(112) . وعند عودته لإيران قادما من الهند والتقائه بالشيخ مجد الدين ثانية ذكر : (( وكان آخر عهدي به في شهر ربيع الثاني من عام ثمانية وأربعين وسبعمائة ))(113) . بل إنه استعمل أحيانا حتى التوقيت كقوله : (( ووصلنا بعد العصر الى مدينة اصفهان )) (114) .

        وقد فسّر بعض الدارسين ما تميز به الرحالة المغربي من ذاكرة قوية بالنظام التعليمي الذي تلقاه ، وهو نظام يقوم في أساسه على الحفظ والاستظهار للعديد من الكتب  ، بينما عزا البعض ذلك الى نظام الثقافة العربية في ذلك العصر ، حيث كان الاعتماد على الذاكرة احدى الدعائم الأساسية للثقافة والتعلم (115) .

        5 ـ من الانصاف أن ننوه بدقته في وصف المجتمع الإيراني وبراعة منهجه الذي يقوم على المعايشة والاطلاع المباشر دون الاقتصار على السماع والنقل . فكلّما حلّ بمدينة أو قرية إيرانية ، وصف أسواقها وزراعاتها ومنازلها وكيفية بنائها ، وفي كل ذلك يلتزم بالحرص على وصف طعام أي منطقة زارها ، ويقارن أحيانا بين العادات الإيرانية والمغربية (116) ، مما يدل على اطلاعه العميق ، وحسّه المرهف بكل ما شاهده ووقف عليه .

        6 ـ لو أخذنا الرحلة ككل ، لاستطعنا العثور على عدة مواضع تظهر فيها أمانته وموضوعيته . فبالرغم أنه كان يعتبر الشيعة بعيدين عن السنة ، فقد وصف أهل النجف بالشجاعة والكرم وحماية الجار (117) . وكان يتسم بكثير من التسامح فلم يظهر أي تعصب ، بل كان يجل ويعظم كل العلماء الذين التقى بهم دون تمييز بين المذاهب ، ولو أنه استغرب من بعض العادات الإيرانية كعادة تشييع الجنازات كما سلف الذكر . وفي كثير من المواضع كان يسوق حكاية أو وصفا ، فاذا ما نسي راويها ، فانه يعتذر عن تذكر اسمه . ومع قدرته على اختلاق أي اسم لصاحب الحكاية ، فانه لم يتجرأ على القفز على الحقائق ، فلم يكن الرحالة المغربي يخضع لسلطان عاطفة أو فورة تعصب ، بل كان يمدح ما يستحق المدح ويذم ما يستحق الذم . وعند سماعه خبرا مرويا أو حدثا لم يتمكن من الوقوف عليه بنفسه ، يذكره في صيغة المبني للمجهول . كما لم يتورع أحيانا عن ذكر أحداث تسئ اليه مثل حدث رفض ابنة الوزير في ملدين الزواج منه وحكايته مع سلطان مالي عندما أراد أن يلفت نظره الى شهرته كرحالة ، فأجابه ذلك السلطان : (( ما رأيتك وما سمعت بوجودك )) (118) .

          ولعلّ مثل هذه الوقائع تؤكد سذاجة طبع الرحالة المغربي وخلو أقواله من الغلو ، رغم بعض الاستثناءات (119) ، كما أنها تبرز سلامة طويته وصدق أوصافه .

        7 ـ ومما يؤكد صحة المعلومات التي يوردها حول إيران كذلك ، أخلاقه الحسنة وصفاء سريرته ، فهو صاحب ضمير ، شديد التدين ، معظم للأتقياء والصلحاء ؛ وحسبنا أنه كان يعزو ما متع به في حياته من نعمة وجاه الى كونه حج أربع مرات (120)  . ولشدة ورعه وفضله ، ولاه الحجاج المغاربة الذين صحبهم في  بداية سفره من المغرب قاضيا لحلّ ما يشجر بينهم من خلاف (121) ، مما يبعد عنه صفة الكذب والتدليس (122) .

        8 ـ وقد أجمع الدارسون لرحلة ابن بطوطة - عرب ومستشرقين - (123) على مصداقية الرجل ونزاهته رغم بعض التحفظات . فالمستشرق الهولندي  " دوزي " يسميه ((الرحالة الأمين)) (124) ، ويقول عنه كراتشوفسكي (125) : (( كلما تعرضت الأجزاء المختلفة من وصف رحلته لدراسة دقيقة مفصلة ، كلما زادت الثقة في صدق روايته )) .

        نفس التخريجات طلع بها بعض الدارسين العرب ، حتى أن بعضهم رأى أنه (( من الجحود والاثم أن نصم ابن بطوطة بالكذب )) (126) ، بينما رأى البعض أن الرحالة المغربي

(( كان يجتهد في تحري الحقيقة )) (127) .

        بيد أن هذه الأحكام الايجابية عن ابن بطوطة لا تعني أننا ندافع عنه أو نجرده من كل عوامل السلبية . فقد سبق أن وقف الدارسون على بعض هفواته (128)  أو شطحاته على حد تعبير " كراتشوفسكي " (129) ، وهي شطحات تعود الى كونه رحالة يتفنن - على عادة كل الجوابين للآفاق - في ذكر بعض العجائب التي تضفي على رحلته نوعا من التشويق . لكن هذه الأخطاء قليلة ، بل تكاد تكون منعدمة بالنسبة لإيران ، وهي راجعة على كل حال الى الأخطاء الشائعة ، وهذه آفة تصيب كل البشر .

        وقديما تشكك بعض الأعلام والمفكرين في ما أورده ابن بطوطة في رحلته . وكان أول المتشككين كاتب الرحلة نفسه - ابن جزي - الذي لمّح الى شكّه بقوله : (( ولم أتعرض لبحث عن حقيقة ذلك ولا اختبار ، على أنه سلك في اسناد صحاحها أقوم المسالك )). والواضح من هذا النص أن كاتب الرحلة يلقي بمسؤولية الحكايات العجائبية والخوارق (130) على ابن بطوطة ، ولو أنه يشهد له بمنهجه في تصحيح الأخبار ونقدها .

        كما أن معاصره ابن خلدون يلمّح الى هذا الشك بقوله : (( فتناجى الناس بتكذيبه )) (131) ، لكن ابن خلدون لم ينسب الشك لنفسه ، انما نسبه الى عامة الناس ، بل يأتي بنص آخر يعتبر دفاعا عن مصداقية ابن بطوطة (132) ، ومن ثم لامحلّ لما ذهب اليه بعض الدارسين (133) من أن رحلة ابن بطوطة أثارت الشك والريبة لدى ابن خلدون  .

        وبعد ذلك بثلاثة قرون ، نجد هذا الشك يراود البليوني الذي لخّص الرحلة . لكن أهم ما شك فيه هذا الأخير لا يتعلق بإيران ، بل بالهند والعقاقير التي رأى أنها مخالفة لما هو شائع لدى الأطباء (134) .

        يفهم مما سلف أن الشك في المعلومات الواردة في رحلة ابن بطوطة لم يكن عاما أو شاملا لجميع الأقطار التي زارها ، بل اقتصر على بعض الأجزاء منها ، ومن ثم لا ينطبق هذا الشك اطلاقا على إيران . ومن ناحية أخرى فان لهذا الشك مجموعة من الدوافع التي لا يمكن للمحلّل المنصف أن يتغاضى عنها ، ومنها أن نجم ابن بطوطة بدأ يسطع في سماء الشهرة عندما أكمل الرحلة وعاد الى فاس ، فبدأ يحدث الناس بأمر من السلطان المريني في المسجد ، فلا يساورنا شك في أن هذه المكانة التي اكتسبها ، والحظوة التي نالها ، أججت نار الغيرة والحقد والحسد في نفوس معاصريه . كما أن صدور أمر السلطان المغربي بتدوين الرحلة زادت من حقد الخصوم ، وجعلتهم يثيرون حولها زوبعة من الشك (135) ، وان كان بعض المنصفين من معاصريه قد برأوه من تهمة الكذب والمبالغة ، ومن بينهم الشيخ ابن مرزوق صاحب كتاب المسند (136) .

        نستنتج من ذلك أن شك القدامى في صحة معلومات ابن بطوطة كان بدافع الضغائن والحسد ، وأن شك المحدثين فيه نوع من الشطط ، اذ لا يمكن محاكمة رجل في القرن الثامن الهجري بجهاز مفاهيمي معاصر وبمقاييس العصر الحالي ، ومن ثم لا مبرّر للمبالغة في هذا الشك ، خاصة اذا أخذنا بعين الاعتبار أن الانسان معرض للأخطاء ، وأن ثمة فرقا واضحا بين الخطإ المتعمد والهفوات غير المقصودة . وعلى كل حال فبالنسبة لمعلومات ابن بطوطة حول المجتمع الإيراني ، نلمس حرصه على تحري الحقيقة والصدق .

        بيد أن هذا النقد الايجابي للنص الرحلي لابن بطوطة الذي أفرز مجموعة من الحقائق عن المجتمع الإيراني - وهو ما أسلفنا ذكره - لا يعني انه خال من العناصر الذاتية السلبية ، فمن الأمانة التاريخية أن نقرّ بأن بعض الانطباعات السلبية التي قدمها عن المجتمع الإيراني كانت محكومة بجملة من الأبعاد يخيل الينا أنها تركت أثرا سلبيا على واقعيتها ومنها : 

        1 ـ البعد الصوفي الذي جعل من رحلته أحيانا بحثا دائبا عن الأولياء  . وكثيرا ما كان يعتزل الناس من أجل صحبة وليّ في احدى الزوايا ليخدمه وينال بركته (137) . ويتجلى  البعد الصوفي لدى الرحالة المغربي في اعطائه الأولوية في برنامج رحلته واهتماماته للقاء المتصوفة والأولياء ، وهو ما عبّر عنه بالكلمات التالية عندما دخل مدينة شيراز : (( وعند دخولي الى مدينة شيراز ، لم يكن لي همّ الا قصد الشيخ القاضي الإمام قطب الأولياء فريد الدهر ذو الكرامات الظاهرة مجد الدين اسماعيل بن محمد بن خداد )) (138) . ولا شك أن الإفراط في الاهتمام بالأولياء على حساب باقي فئات المجتمع أثر على النص الرحلي بصفة عامة ، وعلى المدة  التي بقي فيها الرحالة المغربي بإيران ، ورجوعه مرة ثانية الى شيراز للقاء شيوخها .

        2 ـ لم يكن طابع المعاينة وحده الذي تبلورت من خلاله معلومات ابن بطوطة عن إيران ، بل كان النص المسموع حاضرا فيها ، والسماع أقل درجة من الناحية التوثيقية وأقل مصداقية .

        3 ـ نزعة ابن بطوطة نحو اقتناص كل ما يدخل في خانة العجائبي والغرائبي في أي بلد زاره . ولا غرو فان الرحالة المغربي يعقد انطلاقا من عنوان كتابه الذي هو (( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )) " ميثاقا " مع القارئ ليتحفه بكل عجيب وغريب في رحلته (139) ، لذلك نجده يحرص كل الحرص على تقديم " العجائبي " الذي يثير تشويق المتلقي،  والعجائبي Exotism هو كل غريب أو مدهش أو غير مألوف لايمكن للعقل أن يصدقه كوقائع حدثت ، ولكن يمكن تصديقه كوقائع متخيلة ساهم في انتاجها كل من السارد واللغة السردية (140) . ولإعطاء المصداقية للوقائع غير المألوفة التي شاهدها في إيران ، يعتمد ابن بطوطة على تقنية السرد المتماسكة والمنسجمة ، الموهمة بواقعية هذه الظواهر الغريبة كأن يضيف الى ما رآه حكايات حكيت له أو يذكرها في شكل العادة السائدة التي لم يرها بنفسه ، انما صاغها بحكم المعايشة والمعاشرة ، وهذا ينطبق مثلا على مسألة عادات دفن الميت في شيراز التي سبق ذكرها ، فإنه يستهل الحديث عنها بعبارة (( فإن الرجل منهم يموت ولده أو زوجته … )) (141) ، مما يعني أنه يتحدث بصيغة القاعدة العامة وليس النموذج العياني .

        4 ـ ليس ثمة دليل يؤكد ما اذا كان ابن بطوطة - ابان زيارته لإيران- قد دوّن ملاحظاته في مذكرات خاصة ، وحتى ان كان قد فعل ذلك ، فانها للأسف تكون قد ضاعت مع الأوراق التي فقدها في الهند .

        5 ـ وعلى عكس بعض الأقطار والمدن التي اعتمد فيها على مراجع كالاسكندرية على سبيل المثال (142) ، فانه بالنسبة للمدن الإيرانية التي زارها لم يعتمد الا على ما اختزنته ذاكرته . وبعد مرور ربع قرن استرجع ما جمعه وأملاه على ابن جزي كاتب السلطان المريني أبي عنان . معنى ذلك أن صورة المجتمع الإيراني " الفعلي " الذي زاره ابن بطوطة وتنقل في أرجائه قد تمت إعادة تركيبه مرتين : المرة الأولى حين تسجّل في ذاكرته ، والثانية حين أملاه على ابن جزي . فالذكريات التي تركها عن إيران تنطلق من وجود سارد خارجي ينقل خطاب السارد الداخلي دون أن تتعدى تحويلاته الصياغة الأدبية . ولا شك أن اعادة تركيبة النص المسرود يفقد قيمته الأصلية .

        ورغم هذه الهنات ، فإنها لم تؤثر كثيرا على مصداقية مشاهدات ابن بطوطة وأحكامه حول المجتمع الإيراني .ويمكن القول عموما ان رحلة هذا الرجل المغربي للديار الإيرانية جاءت تتويجا لثمانية قرون من الصلات الاجتماعية بين ايران وشمال افريقيا المتمثلة في نموذج المغرب ، فضلا عن أنها وثيقة تاريخية واجتماعية عظيمة الأهمية ، تعكس رؤية مغربية للمجتمع الإيراني ، ناهيك عن كونها نصا هاما  لدارسي الاجتماع والأنتروبولوجيا والآثار . بل ان مادتها تشكل منجما هاما لما تنادي به بعض المدارس التاريخية المعاصرة من تغطية كاملة لعصر معين ، وتقديم تقرير شامل عنه من خلال الوقوف على الأطعمة والعادات والأحوال الصحية وطبقات السكان ، وعوالم الزينة والملابس والصناعة والزراعة ، مما يساهم في فهم المجتمع الإيراني وادراك تطوره التاريخي .

        كما أن هذه الرحلة المغربية تقدم أنموذجا لرؤى ومشاهدات مواطن مغربي مسلم حول دولة اسلامية شقيقة  ، وتعكس في ذات الوقت وعي العقل الجمعي وما كان يختزنه من شحنة روحية للالتقاء وصلة الرحم بين أجزاء الأمة الاسلامية شرقا وغربا . كما تعكس أنموذجا آخر للتسامح المذهبي ، والارتقاء فوق الحزازات الضيقة التي يقف العالم اليوم وهو في أمس الحاجة اليها لبناء مجتمع دولي جديد يقوم على أساس المساواة والحرية والتعايش.



(14) محمد محمود محمدين : التراث الجغرافي الاسلامي : الرياض 1984 (ط2) دار العلوم للطباعة والنشر ، ص 158 .

(15) أنظر مقدمة تحقيق د. علي المنتصر الكتاني لرحلة ابن بطوطة  المسماة بتحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ، وهو التحقيق المعتمد أساسا في هذه الدراسة ، منشورات مؤسسة الرسالة ( دون تاريخ ولا مكان) ، ص 17 .

(16) ابن خلدون : المقدمة ، طبعة بيروت ( دون تاريخ ) دار الكتاب اللبناني ، ص323 . وانظر في هذا الصدد : محمود اسماعيل ، دراسات في الفكر والتاريخ الاسلامي ، الفصل المعنون ب (( رحلة ابن بطوطة مصدر مهم لدراسة الطرق الصوفية في المشرق الاسلامي))  ، القاهرة 1994 ، سينا للنشر ، ص 73 ـ وانظر أيضا : محمود محمدين : م.س.ص 160 .

(17) كراتشوفسكي : تاريخ الأدب الجغرافي العربي ، ترجمة د . صلاح هاشم ، منشورات الجامعة العربية بالقاهرة ، ج1 ص 422 .

(18) ابن بطوطة  : تحفة النظار  ، ج1 ص 30 .

(19) نقولا زيادة : الجغرافية والرحلات عند العرب ، طبعة بيروت ( دون تاريخ ) ، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر

     ص 187 .

(20)  الشرقاوي : رحلة مع ابن بطوطة . القاهرة 1968 ، مكتبة الأنجلو مصرية . انظر مقدمة الكتاب ص: هـ . وانظر كذلك :

       محمد محمود محمدين : م.س. ص 158 .

(21)  نقولا زيادة : م.س. ص187 .

(22) العوامري : مهذب رحلة ابن بطوطة  . بيروت 1985 (ط2) ، دار الحداثة . انظر مقدمة الكتاب ص هـ .

(23) كراتشوفسكي : م.س ، ص 426

(24) ابن حجر العسقلاني : الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة . تحقيق محمد سيد جاد الحق ، طبعة مصر ( د.ت ) ، دار الكتب الحديثة ، ج 4 ، ص 100 .

(25)  الشرقاوي : م.س. ، ص2 .

(26)  رحلة ابن بطوطة ، ج1 ص 30 حيث يقول : (( كان خروجي من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني من شهر رجب الله الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمائة معتمدا حج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام )) .

(27) مؤنس : ابن بطوطة ورحلاته . تحقيق ودراسة وتحليل ، القاهرة 1980 ، دار المعارف ، ص11 .

(28)  خصباك : م.س. ص 113 .

(29) نفسه ، ص27 .

(30) نفسه ، ص 27 .

(32) ابن حجر العسقلاني : م.س ، ص 100 ــ  محمد محمدين : م.س. ص 159 .

(32) ابن بطوطة : تحة النظار ، تحقيق طلال حرب ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، ص 653 .

(33) نفسه ، ص 223 .

(34) محمود اسماعيل : م.س. ص71 . ويختلف رأي بعض الدارسين حول هذه المسألة اذ يرى الدكتور حسين مؤنس أن التصوف انما جاء كردّ فعل ضد فساد الأوضاع وتدهورها خلال القرنيين 6و7 الهجريين . أنظر : مؤنس : م.س. ص26 .

(35) نقولا زيادة : م.س. ص 190 .

(36)  ابن بطوطة : م.س ، ص 218 .

(37)  نفسه ، ص 223 .

(38)  ياقوت الحموي : معجم البلدان ، بيروت ( دون تاريخ ) ، ج 1 ، ص 288 .

(39)  ابن بطوطة : م.س ، ص 210 .

(40)  نفسه ، ص 214 .

(41)  نفسه ، ص 222 .

(42)  نفسه ، ص 218 .

(43)  معجم البلدان ، ص 435 .

(44)  الرحلة ، ص 222 .

    (45)نفسه ، ص 216 .

   (46) نفسه ، ص 206 .

(47)   نفسه ، ص 213 .

(48)   نفسه ، ص 218 .

(49)  نفسه ، ص 227-228 .

(50)  نفسه ، ص 227 .

(51)  نفسه ، ص 210 .

(52)  نفس المصدر والصفحة .

(53)  نفسه ، ص 216 .

(54)  نفسه ، ص 227-228 .

(55)  نفسه ، ص 213 .

(56)  نفسه ، ص 219 .

(57)  نفسه ، ص 225-228 .

(58)  هو ما يعرف بالزليج في المغرب .

(59)  نفسه ، 210 .

(60)  نفسه ، ص 220 .

(61)  نفس المصدر والصفحة .

(62)  نفسه ، ص 221-222 .

(63)  نفسه ، ص 223 .

(64)  نفسه ، ص 221 .

(65)  نفسه ، ص 209 .

(66)  نفسه ، ص 215 .

(67)  نفسه ، ص 228 .

(68)  نفس المصدر والصفحة .

(69)  نفسه ، ص 218 .

(70)  نفسه ، ص 207 .

(71)  نفسه ، ص 229 .

(72)  نفسه ، ص 225 .

(73)  نفسه ، ص 211 .

(74)  نفسه ، ص 210 .

(75)  نفسه ، ص 209

(76)  نفسه ،ص 214 .

(77)  نقسه ، ص 218 .

(78)  نفسه ، ص 227 .

(79)  نفسه ، ص 222 .

(80)  نفسه ، ص 218 .

(81)  نفسه ، ص 228 .

(82)  نفسه ، ص 207 .

(83)  نفسه ، ص 209 .

(84)  نفسه ، ص 209 .

(85)  نفس المصدر والصفحة .

(86)  نفسه ، ص 228 .

(87)  نفسه ، ص 214 .

(88)  نفسه ، ص 215 .

(89)  نفسه ، ص 216 .

(90)  نفسه ، ص 224-225 .

(91)  نفسه ، ص 210 .

(92)  نفسه ، ص 215 .

(93)  نفسه ، ص 215 .

(94)  نفس المصدر والصفحة .

(95)  نفسه ، ص 225 .

(96)  نفسه ، ص 214 .

(97)  نفسه ، ص 220 .

(98)  نفسه ، ص 213 .

(99)  نفسه ، ص 227 .

(100)  نفسه ، ص 228 .

(101)  نفسه ، ص 211 .

(102)  نفسه ، ص 212 .

(103)  نفسه ، ص 218 .

(104)  نفسه ، ص 225 .

(105)  نفس المصدر والصفحة .

(106)  نفسه ، ص 228 .

(107)  نفسه ، ص 214 .

(108) نفسه ، ص 219 .

(109)  نفسه ، ص 224 .

(110)  محمد محمدين : م.س. ص 161 .

(111)  خصباك : م.س. ص 126 .

(112)  نفسه ، ص 215 .

(113)  نفسه ، ص 221 .

(114)  نفسه ، ص 214 .

(115) كراتشوفسكي : م.س. ص 428 .

(116)  يبدو أن انتقاد د. خصباك لابن بطوطة في كون ملاحظات هذا الأخير لاتنم عن تروّ وتفكير ومقارنة الا نادرا لاتنطبق على أوصافه لعمان . أنظر خصباك : م.س. ص 232 .

(117)  ابن بطوطة : م.س. ج1 ، ص 199 .

(118)  نفسه ج2 ، ص 82 .

(119)  مثل ذكره لموز ظفار بأن زنة الحبة اثنتي عشر أوقية أنظر : م.س. ج1 ، ص 288 .

(120)  نيقولا زيادة : الجغرافية والرحلات عند العرب ، ص 187 .

(121) نفس المرجع والصفحة .

(123)  من بين المستشرقين الذين تعرضوا لرحلة ابن بطوطة نذكر : Rosegarten , Seetzen , yule , Renau , Lee ,Mzik , Yamamoto  وانظر التفاصيل عند كراتشوفسكي : م.س. ص 432 ـ 433 .

(124)  انظر : الشرقاوي : رحلة مع ابن بطوطة ص : 23

(125)  الأدب الجغرافي : ج1 ، ص 421 .

(126)  الشرقاوي : م.س. ص 21 .

(127)  العوامري : م.س. ص : ش  .

(128)  شك العديد من الباحثين في وصول ابن بطوطة الى بعض المناطق مثل الصين والقسطنطينية وبلاد البلغار . أنظر : كراتشوفسكي: م.س. ص 241   ـ   Gibb: op . cit . p 12 , 13 .

(129) تاريخ الأدب الجغرافي العربي ، ج2 ، ص 421  وينتقد عليه أخطاءه حول أراضي بلغار الفولجا وطواليسي الواقعة في مكان من كشين ـ صين Cachin - China  .

(130) ابن بطوطة : م.س. ص 26 .

(131)  ابن خلدون : م.س  ، ص 323 .

(132) نفس المصدر والصفحة .

(133) نقولا زيادة : م.س. ص 189 .

(134)  أنظر الشرقاوي : م.س. ص 17 .

(135) نفسه ص 14 - العوامري : م.س. ص : ق .

(136)  ابن حجر العسقلاني : م.س ، ص 100 ــ  الشرقاوي : م.س. ص 18 .

(137)  أنظر التفاصيل عند : عبد السلام شقور : البعد الصوفي في حياة ابن بطوطة من خلال رحلته  . ندوة ابن بطوطة ، ص 325 .

(138) نفسه ، ص 218 .

(139) ابن حجر العسقلاني : م.س ص 100 ـ عبد النبي ذاكر : استراتيجية الغرائبية في الرحلة البطوطية  . ندوة ابن بطوطة ، ص380

(140)  عبد الرزاق جبران : العجائبي في رحلة ابن بطوطة . ندوة ابن بطوطة ، ص 51 .

(141)  نفسه ، ص 227 .

(142) تحفة النظار : ج1 ، ص 37 .








Powered by WebGozar

<

دریافت کد آمارگیر سایت