خصَّصت مجلة "الدراسات الأدبیة" عددها الأخیر الصادر تحت رقم 67و68و69 سنة 2009لنشر مجموعة منتقاة من الدراسات والأبحاث المقدَّمة للمؤتمر الدولی حول الأدب المقارن العربی الفارسی والذی انعقد بالجامعة اللبنانیة فی بیروت شهر مای 2010 . وقد نُشرت مداخلتی المعنونة بـ "تأملات فی شعر الملمعات" ضمن هذا العدد، ولإطلاع القارئ على الخطوط العریضة للمقال أعرض هذا الملخص، على أن الدراسة منشورة بالکامل فی المجلة المذکورة.
تأملات فی شعر الملمعات
د/ أحمد موسى[1]
إن علاقة اللغتین العربیة والفارسیة متعددة الأبعاد ومتشعبة المناحی، تفرض على الدارس أن یبحثها ویُحقِّق فیها على ثلاثة مستویات : المستوى الأول، تأثیر اللغة العربیة وثقافتها فی اللغة الفارسیة، المستوى الثانی تأثیر اللغة الفارسیة وثقافتها فی اللغة العربیة، والمستوى الثالث هو الدراسة المقارنة بین الأدبین العربی والفارسی الذی هو ناشئ من المرحلتین معاً. وهو ما سیُسلط علیه الضوء فی هذا المؤتمر العلمی من خلال مختلف المداخلات المدرجة. أما ورقتی المعنونة بتأملات فی شعر الملمعات، فأحسبها تصب فی صلب الموضوع وأتوخى خلالها النبش فی أحد أبعاد هذه العلاقة، من خلال وضع أسلوب "الملمعات" فی منطقة الضوء، باعتبار أن هذا الأسلوب من الأسالیب الفنیة الأدبیة التی غدت قاسماً مشترکاً بین الأدبین العربی والفارسی...
عندما شاع إنشاد الأشعار باللغتین العربیة والفارسیة أخذ الشعراء ینظمون الشعر مزاوجین بینهما؛ فإما أن یکون شطر لکلٍّ منهما وإما أن یکون بیت وأُطلق على هذا الصنیع اسم (المُلَمَّعات)، وعلى هذا فـ "المُلَمَّع" فی الاصطلاح الأدبی الفارسی یُطلق على الشعر الذی یکون أحد مصراعی أبیاته باللغة الفارسیة والمصراع الثانی باللغة العربیة أو بلغة أخرى، أو یکون البیت الأول بالفارسیة والثانی بالعربیة أو بلغة أخرى[2]. وقد ارتضى هذا التعریف للمُلَمَّع أغلب الأدباء. وتشیر کتب الفنون الأدبیة والصنائع البدیعیة إلى أن اختصاص الملمَّع بالمزج بین اللغتین العربیة والفارسیة استمر إلى غایة القرن السابع الهجری حیث انطبق وصف الملمَّع على الشعر الذی یمزج فیه صاحبه بین اللغة الفارسیة واللغة الترکیة أیضاً، وبینها وبین اللغات الأخرى فیما بعد. لکن التعریف الأول ظل هو الأشهر إلى یوم الناس هذا[3].
إن هذه الصنعة عند القدماء –کما یشیر إلى ذلک رشید الدین الوطواط فی حدائق السحر-تعنی أن یکون مصراع بیت من الشعر باللغة العربیة والمصراع الآخر باللغة الفارسیة، وجاز عندهم أن یکون البیت الأول بالعربیة والثانی بالفارسیة، أو یکون البیتان الأولان باللغة العربیة والبیتان التالیان بالفارسیة، أو عشرة أبیات بالعربیة وعشرة أبیات التالیة بالفارسیة...[4]. وفی کشاف اصطلاحات الفنون نجد نفس التعریف للملمّع، وقد استشهد للنوع الأول (الذی یکون شطره الأول باللغة الفارسیة والشطر الثانی باللغة العربیة ) بهذا البیت:
|
صبا ﺑﮕﻠﺸﻦ احباب اﮔﺮ همى ﮔﺬرى |
|
إِذَا لَقِـیتَ حَبِیبِـی فَقُلْ لَــهُ خَبَــرِی |
ومثَّل للنوع الثانی (الذی یکون فیه البیت الأول باللغة الفارسیة والبیت الثانی باللغة العربیة) بهذین البیتین :
|
بــه نــادانــى ﮔـنـه کـردم الهــى |
|
ولى دانـم کــه غـفـار ﮔـنـاهــى |
|
رَجَـعْـتُ إِلَیْـکَ فَـاغْفِرْ لِـی ذُنُوبِی |
|
فَإِنِّی تُبْـتُ مِـنْ کُــلِّ المَنَــاهِـــی |
إنَّ هذا الشکل من الشعر المُلَمَّع هو مختص باللغة الفارسیة، ولا نذکر مثیلا له فی اللغة العربیة. أما مصطلح "المُلَمَّع" فی الأدب العربی فیراد به الشعر الذی تکون أحرف صدره (المصراع الأول) کلها منقطّة، وأحرف عجزه (المصراع الثانی) کلها خالیة من النقط، مثال ذلک هذا البیت الشعری الذی أورده صاحب "المعجم الأدبی" :
فَــتَـنَـتْـنِـی بِـجَـبِـیــنٍ کَـهِـلاَلِ السَّـعْـدِ لاَح[5]
[1] أستاذ اللغة الفارسیة وآدابها بجامعة شعیب الدکالی – الجدیدة (المغرب)
[2] محمد معین، فرهنک فارسى، حاشیة کلمة "ملمع".
[3] للإطلاع أکثر على تعریفات الملمع یمکن الرجوع إلى : ترجمان البلاغة للرودیانی، ورشید الدین الوطواط فی حدائق السحر ودقائق الشعر، والمعجم لشمس قیس رازی، ودقائق الشعر لتاج الحلاوی، وحقائق الحدائق لشرف الدین رامی،
[4] رشید الدین الوطواط، حدائق السحر، طهران، 1984، ص 63
[5] جبور عبد النور، المعجم الأدبی، بیروت، دار العلم للملایین، 1984، ص 256.
شکلت الترجمة من لغة إلى أخرى أنجع ما توصلت إلیه البشریة من وسائل اتصال و أعمها فائدة، و کانت هی الوسیلة لأن تقف الغالبیة فی کل مجتمع على أحوال الأمم الأخرى و أنماط حیاتها و طرائق تفکیرها و أوضاعها الثقافیة و الأدبیة. لذلک مورست الترجمة فی مختلف أنحاء العالم و على مر الأزمنة، و کانت الوسیلة التی تقارضت بها الحضارات أفضل إنجازاتها و أحسن مواریثها الفکریة و الثقافیة، فمن طریق الترجمة عرف الرومان التراث الیونانی و ترجموه إلى لغتهم اللاتینیة، و أقاموا به حضارتهم التی لم تکن إلا نسخة من حضارة الیونان. و لقد کُتب للغة اللاتینیة-بعد انتشار الجهل بالإغریقیة فی أروبا الغربیة- أن تکون هی اللغة الأهم فی نقل التراث القدیم إلى اللغات الأوروبیة الحدیثة، ذلک التراث الذی یعد الدعامة التی أقام علیها الأوروبیون نهضتهم و حضارتهم الحدیثة. و من طریق الترجمة وضع المسلمون أیدیهم على تراثین ثقافیین عظیمین، التراث الهیللینی الذی کان عمّر ألف عام أو أکثر، و التراث الفارسی بما ضمّ من عناصر ثقافیة شرقیة أخرى، لذلک کان من الطبیعی أن یعد دارسو الأدب المقارن الترجمة هی الوسیلة الأولى لقیام الصلات و تبادل التأثیر بین بعض الآداب و بعض.
لکن هذه الأهمیة التی یعترف بها للترجمة على أوسع نطاق لم تمنع من إثارة أقوى الشکوک حول کفایة الترجمة فی نقل کل ما فی الأصل من خصائص و سمات فکریة و ثقافیة و أدبیة، إذ لیس من الممکن لأی إنسان أن یحتفظ فی لغة غیر الأصل بکل ما فی العمل الأدبی من عواطف و صور و لفتات تعبیریة و خصائص أسلوبیة، و هذا ما سنعمل على مناقشته و طرح أبعاده فی هذه المداخلة مرکزین على الترجمة من الفارسیة إلى العربیة لما اتسمت به الأولى من غناء فی الأدب و ثراء فی الثقافة و لما ربطها بأختها العربیة من صلات و روابط متینة همّت کل جوانب الحضارة الإسلامیة.
بعد حصرنا للمشکلات التی تکمن فی الترجمة الأدبیة من حیث هی شعراً کانت أو نثراً قررنا أنها لا تعفی المترجم من مسؤولیاته ، بل إنها على العکس تعنی أن المترجم لابد أن یکون مستعداً لأداء هذه المهمة الشاقة و ذلک بتأهیل نفسه بالمؤهلات الضروریة لذلک و قد تم دراستها و تحلیلها فی هذه المداخلة.
و خلصنا أخیراً إلى أن المترجم الذی یتمتع بهذه المؤهلات و غیرها مما تطلبه الترجمة الصحیحة من الفارسیة إلى العربیة لیس مجرد ناقل بالرغم من أنه لیس مبدعاً أیضاً. إنه یقف فی منزلة تتوسط بین النقل و الإبداع. و من هنا کان فی الترجمة من العربیة إلى الفارسیة عنصر من العلم و المهارة و عنصر من الإبداع و الفن.
رغم الأهمیة التی یعترف بها للترجمة على أوسع نطاق لم تمنع من إثارة أقوى الشکوک حول کفایة الترجمة فی نقل کل ما فی الأصل من خصائص و سمات فکریة وثقافیة وأدبیة,إذ لیس من الممکن لأی إنسان أن یحتفظ فی لغة غیر لغة الأصل بکل ما فی العمل الأدبی من عواطف و صور ولفتات تعبیریة وخصائص أسلوبیة. وکان الجاحظ من أوائل من عبروا عن شکهم فی هدا الصدد, إذ أکد أن الترجمة لا یمکن أن تؤدی کل ما فی الأصل بأمانة ودقة, لأن ذلک یتطلب توافر أمرین کلاهما مستحیل أو صعب التحقق : الأول أن یکون علم المترجم باللغة التی ینقل منها على قدر علمه باللغة التی ینقل إلیها. و قد أثبتت المشاهدة کما یقول أن الإنسان لا یتعلم لغة من اللغات إلاّ أدخلت الضیم على سابقتها. و بذلک لا تتساوى معرفة و إلمام المترجم باللغتین مطلقاً. و الثانی أن یکون علم المترجم بالموضوع الذی یترجمه على قدر علم المؤلف به. ولم یقل أحد أن مترجمی التراث الیونانی إلى العربیة فی القرن الثالث الهجری کانوا على قدر علم أرسطو و أفلاطون و غیرهما من مؤلفی الیونان.
ولم تکن الشکوک التی أثیرت حول الترجمة فی التراث الأوروبی اقل مما أثیر حولها فی التراث العربی الإسلامی. وفی الوقت الذی کانت فیه اللغة اللاتینیة هی لغة الفکر و الثقافة و الأدب فی أوروبا الغربیة کلها, کتب الشاعر الایطالی دانتی شعره باللغة الایطالیة وعلّق على بعضه کذلک باللغة الایطالیة بدلا من اللاتینیة التی کان من شانها أن تضمن له انتشارا أوسع. وقد علّل لذلک بقوله أن اللاتینیة هی الوسیلة الصحیحة لشرح هذه القصائد لا الایطالیة لأن ذلک أدعى لسعة انتشارها. غیر أن اللاتینیة لا یمکن أن تحتفظ بکل ما فی هذه القصائد من جمال, لأن أی کلام یتحقق له الانسجام من طریق التوافق الموسیقی لا یمکن أن ینقل من لغة إلى أخرى دون أن یذهب کل ما فیه من حلاوة. و هذا هو السبب فی أن هومیروس لا یمکن أن ینقل من الإغریقیة إلى اللاتینیة کما حدث بالنسبة لکتابات إغریقیة أخرى. و هذا هو السبب أیضا فی أن المزامیر لیست لها حلاوة الموسیقى و لا انسجامها لأنها نقلت من العبریة إلى الإغریقیة ومن الإغریقیة إلى اللاتینیة, وقد ذهبت حلاوتها منذ النقل الأول.
وقد نادى بالرأی نفسه الشاعر الایطالی لودوفیکو أریوستو 1474-1533 م الذی أظهر بطل ملحمته أورلاندو وقد غلبه منافسه میدورو على حب أنجلیکا و سجل ذلک فی قصیدة باللغة العربیة نفسها على باب کهف, وقبل أن یقدم أریوستو ما یفترض أنه ترجمة إیطالیة لهذه القصیدة یقول أنه على یقین من أن القصیدة فی لغتها رائعة, أما فی لغته الایطالیة فإنه یعتقد بأن ترجمته لا یمکن أن تنقل القیمة الفنیة التی فی الأصل.
وهذه الشکوک التی أثیرت حول قدرة الترجمة على الوفاء بتأدیة کل ما فی الأصل لها ما یؤیدها.فالفروق بین اللغات من حیث دلالة الألفاظ و أنماط الجمل و علاقات عناصر الجملة بعضها ببعض ووظائف الأدوات..إلى آخره من الکثرة والتنوع بحیث لا یمکن لمعنى من المعانی أن یؤدى بلغة غیر اللغة التی عبرت عنه أصلا دون أن یلحقه تغییر أو تبدیل أو تحویل أو تحویر. فإذا أضیف إلى هذه الفروق ما تنفرد به اللغة الأدبیة من خصائص الکاتب الأسلوبیة ولفتاته الذهنیة و میوله العاطفیة وما یبثه فی کتابته من مزاج ونظرة إلى الحیاة والإنسان مما لا یکاد یتفق فیه مع کاتب آخر تمام الاتفاق, أدرکنا أن أولئک الذین عبروا عن هذه الشکوک لم یعدوا الحقیقة. ومع ذلک فإن هذا لم یمنع أن تکون هناک ترجمات بلغت من الجودة و أحیانا من الدقة والإتقان ما ضمن لها الخلود على الزمن وأحلها فی الأدب العالمی منزلة لا تقل عن منزلة الأصل الذی نقلت عنه. ویکفی أن نسوق الأمثلة التالیة لهذه الترجمات:
فی القرن الثانی الهجری ترجم عبد الله بن المقفع إلى اللغة العربیة کتاب کلیلة و دمنة عن ترجمة بهلویة نقلت من أصل هندی. و بالرغم من ضیاع الأصل الهندی و الترجمة البهلویة أیضا, فإن فی مقدمات الترجمة العربیة لـ کلیلة و دمنة ما یدل على أن الأصل الهندی کانت له قیمة کبرى دفعت الملک الساسانی أنو شروان إلى أن یرسل بعثة إلى الهند فی طلب الکتاب الذی ترجم بعد ذلک إلى اللغة البهلویة فاحتل فی الأدب البهلوی منزلة رفیعة لا تقل عن منزلة الأصل الهندی فی أدبه. و قد قدر لترجمة عبد الله بن المقفع العربیة أن تحتل فی الأدب العربی منزلة رفیعة أیضاً, و أن تکون أساساً لعشرات الترجمات إلى مختلف لغات العالم إما مباشرة أو بواسطة ترجمات لغات أخرى، مما جعل للکتاب أهمیة خاصة بوصفه إحدى روائع الأدب العالمی. و مع ذلک فإن الترجمة العربیة لکلیلة و دمنة لا یمکن أن یقال إنها شدیدة الالتصاق بالأصل. فقد أضاف ابن المقفع إلیها بعض الفقرات، بل ربما بعض الأبواب و حذف منها ما رأى أنه لا یقبل لدى جمهرة قراء عصره.
و المثال الثانی ترجمة الشاعر الإنجلیزی ادوارد فیتزجرالد 1809-1883م رباعیات الخیام إلى اللغة الإنجلیزیة سنة 1859م. لقد وجد المترجم فی رباعیات الخیام بعض الأجوبة عن تساؤلاته عن معنى الحیاة و عن ما بعد الموت. و لم تکن هذه التساؤلات قاصرة على المترجم، بل کانت مما یدور فی أجواء الحیاة الحدیثة المعقدة فی عصره. و تکاد آراء الباحثین المحدثین تجمع على أن أکثر رباعیات فیتزجرالد کانت إما صیاغة جدیدة لشعر عمر الخیام أو نظرات ملفقة یمکن تتبعها إلى أکثر من رباعیة واحدة فی الأصل الفارسی. و قد استبعد المترجم بعد الطبعتین الأولى و الثانیة أکثر هذه الرباعیات التی لم یکن لها رباعیات محددة تقابلها فی الأصل. فقد اختار بعض الرباعیات و أعاد تجمیع بعضها الآخر و بذلک أضفى على ترجمته شکلاً متکاملاً. و ربما یلتمس للمترجم العذر فی ذلک بأن الرباعیات الفارسیة نفسها لا ینظر إلیها على أنها جمیعاً للخیام. فهناک رباعیات تسمى "الرباعیات الجائلة" تحمل على الخیام و على غیره من شعراء الفرس مما یجعل التحقق من عدد الرباعیات الصحیحة النسبة إلى الخیام أمراً موضوع شک. و لکن النقاد على أی حال یرون أن المترجم قد أشاع فی ترجمته جواً یختلف إلى حد کبیر عن جو الرباعیات الفارسیة، حتى إن بعضهم ذهب إلى القول أن عمل فیتزجرالد لا یعدو أن یکون شعراً إنجلیزیاً مع بعض الإشارات الفارسیة. و فی هذا قدر من المبالغة، فقد اشتهر فیتزجرالد بهذه الترجمة أکثر مما اشتهر بشعره الإنجلیزی و لا شک أن هذه الشهرة إنما ترجع إلى تلک الروح الشرقیة التی انتشرت فی الرباعیات و کانت موضوع إعجاب الأوروبیین فی ذلک العصر.
هذان النموذجان للترجمة الناجحة یختلف عن بعضها البعض من عدة وجوه. بل إنها لتختلف فی سر نجاحها و خلودها و قوة تأثیرها فی آدابها و فی الأدب العالمی بصفة عامة. فترجمة عبد الله بن المقفع مسرفة فی تحررها من الأصل، و لا غرو فهی ترجمة ترجع إلى فترة زمنیة لم یکن التقید الشدید بالأصل فیها مما یفرض على المترجم. بل ربما تکون هذه الحریة من أهم أسباب قبول الجمهور للکتاب، و إذ کان فی الأصل –فیما یبدو- مما لا یتفق مع عقائد المجتمع المسلم و تقالیده فی القرن الثانی للهجرة، و قد بقیت آثار من ذلک فی مقدمة باب "برزویه الطبیب" أنکرها بعضهم على المترجم. و لم یکن تحرر ابن المقفع من الأصل تحرراً کاملاً، فقد کان على قدر لا بأس به من الوفاء لشکل الکتاب. و قد فرض علیه أسلوب الأصل أن یستبدل بالجمل القصیرة الشدیدة الالتصاق بالواقع التی تمیز بها النثر العربی إلى زمن المترجم جملاً متوازنة واضحة المعنى رغم ازدحام الأفکار و تعقد الترکیب فیها. و لقد کان صنیع ابن المقفع هذا إیذاناً لا بتغیر أسلوب النثر العربی فحسب بل إلى نشأة النثر الفنی بالمعنى الخاص فی اللغة العربیة.
و فی ترجمة رباعیات الخیام إلى الإنجلیزیة وجد المترجم فیتزجرالد نفسه أمام نص شعری فارسی مضطرب من حیث نسبته إلى قائله. و بذلک لم یکن فی وسعه أن یحقق ذلک المطلب الذی تفرضه الترجمة الحدیثة و هو الوفاء لمضمون الأصل على الأقل. و قد حاول أن یصلح من عدد الرباعیات التی ظن أنها صحیحة النسبة، و أن یعید ترتیبها لکی یضفی على ترجمته –کما مر- شکلاً متکاملاً. أما روح الحیرة و الشک التی تمیز الأصل الفارسی فقد ساعد المترجم على الإبقاء على جو مماثل فی ترجمته لروح الرومانتیکیة التی کانت سائدة فی عصره. فالروحان متقاربان و لکنهما غیر متحدین تماماً، لأن صوفیة الخیام التی تظهر و تختفی فی رباعیاته تختلف عن اتحاد الرومانتکیین الأوروبیین بالطبیعة.
و لکن مع تعدد أوجه الاختلاف بین هذه الرائعتین، فإننا نستطیع أن نتلمس بعض أوجه الاتفاق بینهما. بل ربما تکون أوجه الاتفاق هذه هی سر نجاح هذه الترجمات و خلودها على الزمن. و لعل أهم أوجه الاتفاق بینهما أمران : أولهما أن أیّاً من هذین الترجمتین لم یصر على النقل کلمة بکلمة، أو بعبارة أخرى لم یصر على الترجمة الحرفیة. ذلک أن الاختلاف بین اللغات، الذی سبقت الإشارة إلیه منذ قلیل یجعل من الترجمة الحرفیة مصدراً للتشویه و سبباً للتعقید بدلاً من جعل الأصل واضحاً قریباً من الأفهام. لقد أصبح البعد من الترجمة الحرفیة مبدأً عاماً و مقرراً یحکم کل ترجمة تطمح أن تدعی لنفسها أی قدر من النجاح. و الأمر الثانی أن هذه الترجمات جمیعاً حرصت على أن تستخدم لغة معاصرة لها، لأن لغة الأصل کتبت لعصر سابق و قد یکون فیها –بل لا بد أن یکون فیها- من الخصائص الأسلوبیة و اللفتات التعبیریة و طرق التصویر ما یجعلها غریبة عن القارئ. و من أهم مقومات الترجمة الصحیحة أن تکون مقروءة. و مع أن الإجماع یکاد ینعقد على هذین المبدأین فإنه لا یمکن القول بأنهما حلاّ مشکلات الترجمة، بل ربما یکونان قد خلقا من المشکلات أکثر ممّا حلاّ. إن کثیراً من الأسئلة لا یزال ینتظر الأجوبة. فإلى أی حد –مثلاً- یکون البعد من الحرفیة فی الترجمة الجیدة ؟ و إلى أی مدى یکون استخدام لغة الحیاة المعاصرة ؟ عن هذین السؤالین أجاب کل عصر بطریقته الخاصة.
و على ذلک فإن الإجابة الصحیحة بالنسبة لنا إنما هی تلک التی یقدمها عصرنا. إن ذلک کله یکشف بوضوح ما تنطوی علیه الترجمة من حیث هی ترجمة من صعوبات و مشکلات و هذا ما اعترف به أساطین الترجمة فی کل العصور. بل إن المشکلات لا تکمن فی المترجم بقدر ما تکمن فی الترجمة ذاتها. تتضح هذه المشکلات بشکل جلی فی الخلافات الواسعة بین المترجمین فی مختلف الأجناس الأدبیة، فیما یتصل بالشروط التی یرون التزامها فی کل فن. و ربما یکون من العسیر أن نتتبع آراء المترجمین و أسالیبهم فی الترجمة بالنسبة لکل فن أدبی على حدة. و یکفی لهذا الغرض أن نقسم الترجمة إلى نوعین : ترجمة الشعر و ترجمة النثر، لأن کل الأجناس الأدبیة تندرج بطبیعة الحال تحت هذین النوعین. إن عدداً کبیراً من المترجمین یرى أن الشعر ینبغی أن یترجم شعراً، لأن الخصائص التی یتمیز بها الشعر عن النثر هی مکونات أساسیة فی طبیعة النص الشعری و لیست مجرد إضافات للتحسین یمکن أن یستغنى عنها. و مع ذلک إن إهمال هذه الخصائص الجوهریة من قبل المترجم یعد إهمالاً لجزء جوهری من العمل الذی یترجمه. بل إن بعض هؤلاء الذین یصرون على ترجمة الشعر إلى شعر لیذهب إلى مدى أبعد من هذا بشرط أن یبقی المترجم على الوزن و نظام القافیة اللذین استخدمهما الشاعر. و من الواضح أن هذا الشرط ربما یمکن الوفاء به إذا تمت الترجمة بین لغتین تنتمیان إلى تراث واحد، و من ثم تشترکان فی نظام عروضی واحد کما هو الشأن فی اللغتین العربیة و الفارسیة. أما بالنسبة للغات التی تنتمی إلى مواریث ثقافیة مختلفة و لا تشترک فی نظام عروضی واحد فإن الوفاء بهذا الشرط یعد ضرباً من المستحیل. إذ کیف یمکن الحفاظ على الوزن و نظام القافیة فی قصیدة عربیة مثلاً عند ترجمتها إلى شعر إنجلیزی أو فرنسی أو العکس ؟ غیر أن مترجمین آخرین لا یقلون أهمیة عن هؤلاء رأوا أن الاحتفاظ بالوزن و القافیة المستخدمین فی الأصل أمر من الصعوبة بمکان، و یکفی فی رأیهم أن تکون الترجمة شعریة أیّاً کان وزنها و قافیتها. بل إن فریقاً ثالثاً من المترجمین ذهب إلى جواز ترجمة الشعر إلى نثر. و سیتبین لنا من خلال الترجمات العربیة لرباعیات الخیام أن هذا الرأی طبق فی الشعر، خاصة فی الشعر الغنائی لأن النزعة الفردیة لدى الشاعر الغنائی تجد فی القصیدة الغنائیة الأداة الصحیحة للتعبیر عن نفسها.
و قد ترجم الشاعر أحمد رامی رباعیات الخیام إلى العربیة، و قد استطاع بفضل اشتراک العربیة و الفارسیة فی نظام عروضی واحد تقریباً، أن یحتفظ بالنظام الرباعی فی ترجمته العربیة مبقیاً على الجانب الشکلی للأصل الفارسی، و مع ذلک فقد اضطر فی کثیر من رباعیاته أن یدخل من التغییر ما بلغ حد الإضافة و الحذف أحیاناً أخرى و التبدیل تارة و التحریف تارة حتى جاء المعنى فی بعض الرباعیات مقارباً غیر مطابق. لکن هذا الرأی لا یصدق على کل ترجمات رباعیات الخیام العربیة، فإننا نلاحظ فی ترجمة الأستاذ أحمد الصافی النجفی الکثیر من الدقة التی تنم عن حب و شغف کبیرین و ذلک بشهادة کبار رجال السیاسة و العلماء و الشعراء الإیرانیین الذین عرفوا فضله و مقدرته العلمیة و الأدبیة. و قد تمیزت ترجمته بمتانة و تعبیر دقیق لأغراض الشعر، و على إثرها قلد وسام العضویة فی النادی الأدبی فی طهران.
أول ما اطلع الصافی النجفی على الترجمات العربیة للرباعیات، طالع تعریب الأستاذ ودیع البستانی، و رغم ما اشتملت علیه ترجمته من سمو و إبداع، لم یکن یمثل من الرباعیة إلا قشورها البراقة و أصدافها اللامعة و کان له العذر فی ذلک، إذ لم یکن عارفاً بالفارسیة فترجمها عن الإنجلیزیة و من أجل ذلک بقی الدر و اللباب فی کنز مرصود لم تستطع أن تفک طلاسمه قرائح المترجمین. و هذا ما حذا بالصافی إلى محاولة فک تلک الطلاسم و کشف ما اختبأ فی ذلک الکنز عله یستطیع إتحاف قراء العربیة لا بتلک الخیالات الشعریة المعروفة التی تدفع إلى التشاؤم و تدعو إلى اللذات فحسب بل بتلک اللآلئ المکنوزة التی تمثل آراء الخیام الفلسفیة و نکاته الأدبیة البدیعة. لقد نحى الصافی فی ترجمته للرباعیات منهجاً علمیاً دقیقاً و توخى الأمانة و الدقة فی النقل و الاحتفاظ بالمعنى الأصلی حتى ظهر أکثر الرباعیات کأنه ترجم کلمة بکلمة. کما حرص على تقریب التعریب بقدر الطاقة من الذوق العربی.
إن أغلب النقاد و الأدباء و الشعراء الإیرانیین الذین أطلعهم على ترجمته أبدوا اندهاشهم و شغفهم بها و أثنوا على مجهوداته ثناء جمیلا. من ذلک ما أفاده أکبر شعراء الفرس المعاصرین و هو محمد حسین بهار الملقب بملک الشعراء حینما رأى ترجمة الصافی قال : "
إن بعض التعریب مع کونه مطابقاً للأصل جداً یفوقه من حیث البلاغة و الأسلوب..." أو کما قال أحد کبار علماء و الأدباء فی إیران یعنی العلامة الملقب بصدر الأفاضل الذی کان یدرس الأدب العربی للشاه المخلوع، قال بعد أن اطلع على الرباعیات بتمامها مخاطباً الصافی النجفی: "أکاد أعتقد أن الخیام نظم رباعیاته بالعربیة و الفارسیة معاً، و قد فقد العربی منها فعثرت علیه و انتحلته لنفسک".
إن کل المترجمین یقولون بضرورة الأمانة فی الترجمة، و لکنهم یختلفون اختلافاً کبیراً فیما یقصدونه بالأمانة، فبینما یوسع بعضهم من مدلول کلمة الأمانة هذه بحیث تشمل الجانب الشکلی فی ترجمة الشعر یرى بعض آخر أن فی ذلک تضحیة بما هو جوهری فی سبیل الحفاظ على غیر الجوهری، و أن ترجمة الشعر إلى نثر هی الوسیلة الصحیحة لتحقیق روح الأصل فی الترجمة. فالترجمة النثریة فی رأی هؤلاء هی التی تستطیع أن تجمع بین الوفاء لروح العمل الأدبی و حریة الأسلوب، أما الترجمة الشعریة فکثیراً ما تضطر المترجم إلى تحریف الأفکار و تعدیل العبارات و تحویر الصور، وتکون النتیجة تزییف مقاصد الشعر فی بعض الفقرات المهمة أحیانا.
هذه المشکلات التی تکمن فی الترجمة من حیث هی شعرًا کانت أو نثرا لا تعنی إعفاء المترجم من مسؤولیاته. بل إنها على العکس تعنی أن المترجم لابد أن یکون مستعدا لأداء هذه المهمة الشاقة وذلک بتأهیل نفسه بالمؤهلات الضروریة لذلک و التی یمکن أن نشیر إلى بعضها فیما یلی:
أولا: الأمانة العلمیة الدقیقة: فإذا کان مترجمو الماضی لم یتقیدوا جمیعا بهده الأمانة بوصفها شرطًا لازمًا للترجمة, فإن الروح العلمیة فی العصر الحدیث تجعل من هذه الأمانة ضربًا من الحتم و إن اختلف فی مدى هذه الأمانة وحدودها. لقد تبین لنا فیما سبق أن ترجمة الروائع الأدبیة انطوت على صعوبات شکلت تحدیًا لهذه الأمانة. بل لقد تبین أن الترجمة الحرفیة أمر ینبغی أن تستبعد فی ترجمة مثل هذه الروائع. لأن الإصرار على حشر الخصائص الفنیة الدقیقة فی القوالب الحرفیة للترجمة ینطوی على تضحیة بجوهر العمل الأدبی فی سبیل الحفاظ على بعض سماته الظاهرة. ومعنى ذلک أن على المترجم الحدیث أن یقیم ذلک التوازن الدقیق و الصعب بین الأمانة و تجنب الترجمة الحرفیة.
ثانیا: حسن اختیار ما یترجم, و حسن الاختیار هذا لا یقوم على مراعاة قیمة العمل الذی یراد ترجمته فحسب,بل على ملاءمته لأوضاع المجتمع الذی له من النواحی الدینیة و الفکریة و السیاسیة و الاجتماعیة.
ثالثا: إلمام المترجم بالتراث الثقافی الذی ینتمی إلیه العمل المترجم,فبذلک یضمن لنفسه عدم التورط فی خطأ ما ینقل من ذلک التراث.و یذکرنا هذا بما اشترطه الجاحظ فی الترجمة لکی تؤدی بأمانة کل ما فی الأصل من أن یکون علم المترجم بالموضوع الذی یترجمه على قدر علم المؤلف به.
رابعا: إجادة المترجم اللغة التی یترجم منها, ومرة أخرى یفرض الجاحظ نفسه, فقد اشترط لتمام الترجمة أن یکون علم المترجم باللغة التی یترجم منها على قدر علمه باللغة التی یترجم إلیها کما مر, فقد یترتب على عدم تمکن المترجم من لغة الأصل تشویه مضمونه. فقد قیل:
" إن تألیف کتاب ردیء خطأ أما ترجمة کتاب جید ترجمة ردیئة فجریمة".
خامسا: القرب من المؤلف, فلکی یحقق المترجم لترجمته فهمًا و قبولاً لدى القارئ لابد له من أن یکون قریبا جدا من المؤلف أی أن یکون دقیق الفهم له و الأداء عنه, بل إن الأمر لا یقتصر على حسن فهم وجودة الأداء, وإنما على المترجم أن یرى ما رآه المؤلف و أن یسمع ما سمع و أن یتعمق فی حیاته لیقف على تجاربه. إن أمة ما لا یمکن أن ترى حادثة کما تراها أمة أخرى,و لذلک فإن على المترجم أن یعبر عن أی حادثة أو موقف کما ینبغی أن یعبر عنه فی لغته هو. وقد لا یکون فی وسعه أحیانا أن یقترب من الکلمة الأجنبیة المطلوبة تمامًا و لکن الأهم أن یکون قادرًا على أن یتخیل الموقف. إن علیه أن یستخدم الکلمات لیعبر بها لا عن الأصوات فحسب , بل کذلک عن الإیقاع و الإشارات و التعبیرات و النغمة و اللون وکل ما یرتبط بالمعنى الأصلی.
الأدب القصصی فی إیران قبل الثورة محمد رضا سرشار ـــ ت.د.أحمد موسى(*)
مجلة الآداب العالمیة
العدد 139 صیف 2009 السنة الرابعة والثلاثون
بعد نهایة الحرب الإیرانیة العراقیة، عرفت الساحة الفکریة مرحلة فتور دامت عشر سنوات ﻣﻨﺬ انتصار الثورة الإسلامیة. ﻟﺬلک کان من الصعب على أی أدیب العودة إلى ذلک العالم الخاص بعد ﻫﺬه القطیعة. علاوة على ذلک فإن ﻫﺬه الاستحالة الفکریة کانت فی طور البروز عند عدد مهم من أدباء الجیل الذی عاش فی أکناف الثورة الإسلامیة مما أدى إلى ظهور نوع من الفتور فی عزمهم للدخول إلى عالم القصة فی عهد الثورة الإسلامیة. ومثل ﻫﺬه الاستحالة کانت تزداد تَکرُّساً فی المجتمع یوماً بعد یوم ، ﻟﻫﺬا فإن ﻫﺬا النوع من الآثار لم یکن له متتبعین.
إذا أضفنا إلى کل ﻫﺬا عاملاً آخر وهو ندرة الکتب المطبوعة فی السنوات الأخیرة والتی أدت بدورها إلى عدم اهتمام عددٍ کبیرٍ من کُتَّاب جیل الثورة بالکتابة القصصیة وعدم اعتبارها الشغل الشاغل والأصلی لهم، سیتبین لنا بجلاء أسباب ﻫﺬا الفتور والرکود.
یمکننا تعریف الأدب القصصی الثوری تعریفاً واسعاً بأنه : کل عملٍ قصصیٍ یتمحور موضوعه الأصلی حول مواجهة الأنظمة الفاسدة السابقة التی کانت تحکم البلد. فی ﻫﺬا التعریف لا یبقى لمعتقدات المذهب أو غیر المذهب أو الیمین والیسار محلٌ من الإعراب. لکن مع ﻫﺬا التوسع فی التعریف فإن بحثنا لن یکون علمیاً لأنه فی ﻫﺬه الحالة یمکن أن نجد أعمالاً قصصیة فی عهد الثورة الدستوریة أو ما بعدها تناولت مواضیع المقاومة ومعارضة النظام القاجاری ونظام رضا خان ونظام محمد رضا اﻟﭙهلوی، ﻟﺬلک یمکن القول أن الأدب القصصی الثوری الذی نعنیه هنا هو ذاک الأدب الذی یهتم بطرح قضایا الثورة الإسلامیة باعتبارها قضایا أساسیة ومحوریة، وبالنظر إلى تاریخ مقاومة جماعات وعناصر إسلامیة فی ﻫﺬا الطریق یمکن أن تبتدئ ﻫﺬه القصص من عهد الشیخ فضل الله نوری وتمتد إلى فترة الشهید مدرس وفدائیی الإسلام وثورة الخامس عشر من خرداد 1342ش (5 یونیو 1963م) وهیئات مؤتلفة وجماعات وأشخاص آخرین کالإمام الخمینی وآیة الله سعیدی وآیة الله غفاری وآخرین. ویتمثل أوج ﻫﺬا الموضوع فی سنة 1356ش (1978م) وبدایة النهضة الإسلامیة بقیادة الإمام الخمینی وانتهاءً بانتصار الثورة الإسلامیة فی 22 بهمن من سنة 1357ش (11 فبرایر 1979م).
لقد تعددت القضایا بعد الثورة الإسلامیة فتنوعت بین الحروب الداخلیة الانفصالیة والحرب ضد العدو الأجنبی ومناوشات المعارضین فی الداخل...ولکی تتبین لنا وضعیة إسهامات الکتاب فی هذا العصر فی هذا المجال، لابد من التعرُّف على الآثار التی کتبت حول هذه المواضیع وترتیبها وتحلیلها، وبالتالی الحکم على ذلک حکماً مقارناً. وهنا یجب مقارنة ما کُتب فی إیران حول الثورة مع ما کُتب فی الدول الأخرى بخصوص ثوراتهم. فعلى سبیل المثال فإن کتاب "البؤساء"لفیکتور هیکو یشیر إلى الحروب الداخلیة فی الثورة الفرنسیة. وهناک أیضاً أثرٌ کبیرٌ کتبه الروس حول الثورة البلشفیة سنة 1917 م، وهو کتاب "تجاوز المعاناة" لـالکسی تولستروی فی ثلاثة مجلدات، ترتبط الثورة فی هذا الکتاب بالحروب الداخلیة التی جاءت بعدها وبالحرب العالمیة الأولى ومقاومة العدو الأجنبی، وأکثر حوادثها تتعلق بهذه المواجهات التی تتصل بانتصار الثورة. لکن نظام الثورة الحاکم فی الإتحاد السوفیتی سیستمر فی الحرب مع العدو الأجنبی سنة واحدة فقط، لأن الحرب العالمیة الأولى ستشهد نهایتها سنة 1918 م، وقبل نهایتها سیعتزل النظام البلشفی رسمیاً.
لذلک فإننا نستنتج أن السوفیات بقوا أکثر من عشرین سنة بعیدین عن الحرب مع عدو أجنبی لغایة بدایة الحرب العالمیة الثانیة سنة 1939 م. إنهم کانوا یستطیعون کتابة قصة ثورتهم خلال هذه المدة، فی حین أن الإیرانیین لم یکن لدیهم أکثر من سنة وسبعة أشهر لکتابة قصة ثورتهم، والسبب هو أن الحرب شبَّت بعد ذلک وألقت بظلالها القاتمة على کل شیء واستأثرت بالاهتمام الکامل والإمکانیات المادیة والمعنویة طیلة ثمانی سنوات على الأقل.
وهناک أمرٌ آخر وهو سابقة الکتابة الروائیة فی روسیا، فإنها تعود إلى وقت بعید جداً، وأصبح لها روادٌ لهم مدرستهم الخاصة فی الروایة. والآن تمر أکثر من 400 سنة على عمر الکتابة الروائیة فی شکلها الجدید هناک، فی حین نجد أن الروایة فی إیران لم یمر على نشأتها أکثر من تسعین سنة. فالأعمال الروائیة الجدیدة الأولى فی إیران هی لیست روایات بالمعنی الدقیق للمصطلح. لقد بدأت هذه التجربة منذ العقد العاشر، بحیث شهدت الساحة الأدبیة عدداً لا بأس به فی هذا المجال. هذا فی الوقت الذی اکتسب الأدب فی إیران تجربة أکثر فی مجال القصة القصیرة. ومع ذلک ففی روسیا باستثناء روایة "تجاوز المعاناة" فإننا لم نشهد ظهور عمل آخر غیر "دن آرام" لـشولوخوف کروایة مرتبطة بثورة أکتوبر، وهذه الروایة نفسها ممزوجة بنوع من الحرب، کما یمکن أن نذکر روایة "الأم" لـکورکی. لکننا لا نجد فی کل ذلک آثاراً تختص بثورتهم، بمعنى آخر باستثناء القضایا الأخرى فإننا لا نجد نموذجاً قویاً لروایة حول الثورة البلشفیة أو حتى الغربیة، فی المقابل نجد أمثلة کثیرة عن الروایات المضادة للثورة، بدءً من قلعة الحیوانات لـجورج أورول وحتى أعمال أخرى من مثل دکتر جایواکری بوریس باسترناک أو مجمع الجزائر لـکولاک ألکساندر، أو قلب الکلب لـبولکاکف وأعمال أخرى لـمارکز...
إن إیران لم تتوفر على نموذج للروایة الإسلامیة أو الثورة الإسلامیة. وحتى إن توفرت على نماذج للروایات التی تتعلق بالثورة الفرنسیة والروسیة أو الأمریکیة اللاتینیة، ما کان للروائیین فی الثورة الإسلامیة أن یتخذوا من ذلک نموذجاً یحتدا به. لأن الثورة فی إیران کانت ثورة جد مغایرة.
فی هذا الصدد یمکننا استحضار بعض عناوین الروایات التی أُلفت حول الثورة الإسلامیة بعد انتصارها، أولاها روایة زنده باد مرﮒ (یحیى الموت) لناصر إیرانی من منشورات سروش. وهی روایة ضخمة، کان مؤلفها قبل الثورة ینتمی لحزب "تودة"، فأصبح بعدها تابعاً لحرکة "حاج سید جوادی". أحداث هذه الروایة لا تدور حول عامة الشعب، بل حول جماعة مارکسیة مثقفة، تعقد جلساتها فی منزل تتدارس فیها أخبار الثورة التی بدأت تتبلور فی البلاد. بطل القصة –و هو الراوی نفسه- ینفتح ذهنه تدریجیاً برؤیة الشعب فی الشوارع وانتشار الثورة الشعبیة فی کل أنحاء البلاد، ثم فیما بعد سینفصل عن تلک المجموعة الخاملة والمدعیة ویلتحق بعامة الشعب فی الشوارع. لکن هذه الروایة (یحیى الموت) هی روایة الرأی والفکر، یکثر فیها الکلام والجدل. وهناک عملٌ آخر قبل هذه الروایة، وهو لحظه هاى انقلاب (لحظات الثورة) لمحمود ﮔلاب دره اى، لکنه لا یُصنف ضمن مجال الروایة رغم أنه لیس بعیداً عن القصة، لأنه یدور حول شخصیة محوریة واحدة وهی ﮔلاب دره اى نفسه. فهذا العمل أقرب ما یکون إلى الخاطرة والمذکرات. وقد کُتب بنثر أدبی ممتع للمطالعة. وهو یتتبع أخبار الثورة أولاً بأول. وللکاتب نفسه روایة تسمى وال وهی تدور حول الثورة کذلک. وله أیضاً کتاب آخر صغیر الحجم یسمى حسین آهنى ألفه لفئة الشباب لکنه یفتقد لقیمة القصة الواقعیة. ونذکر کذلک قصة قصیرة لمحمد رضا سرشار حول الثورة، وهی تحت عنوان خدا حافظ برادر (وداعاً أیها الأخ). ونشیر کذلک إلى سیاه ﭼمن (العشب الأسود) لأمیر حسین فردی، وأحداث هذه القصة تدور فی بادیة تابعة لإقلیم کرمان، أهلها لم یعرفوا عن الثورة شیئاً إلا بعد مرور بضعة أشهر من قیامها، فلم یکن لهم دور فی الثورة, والقصة تکشف أثر الثورة فی حیاة البدو فی ناحیة من أنحاء إیران. وکذلک نذکر حوض سلمون لمحسن مخملباف وأحداث هذا الأثر تعود إلى ما قبل الثورة وتحکی قصة مواجهة ومقاومة رجل متدین للنظام الحاکم. أما کتاب أسیر زمان لإسماعیل فصیح الذی ألفه فی عقد السبعینیات، فهو مثل سائر آثار فصیح، یتمیز بطابع بولیسی وجنائی ویطفح بالحرکیة والأحداث. نذکر أیضاً روایة آتش بدون دود (نار بلا دخان) وهی روایة مفصلة فی سبع مجلدات لنادر إبراهیمی الذی کان قد کتب نفس القصة قبل الثورة مع اختلاف فی المحتوى فی مجلدین، وأکملها بعد الثورة لیصل عدد أجزائها إلى سبعة. نثرُها جید وبناؤها منسجم، تتمیز هذه الروایة بشخصیاتها المتعددة وفضاءاتها المتنوعة. شخصیاتها الرئیسیة ثلاثة، رجلان وامرأة، رجل اشتراکی مادی والثانی روحانی ومسلم مقاوم. فی نهایة المطاف تتغلب الشخصیة الاشتراکیة بفکرها، لکن مع ذلک فهذه الشخصیة تحب حضرة الإمام علی، لأنه یتصور أن لعدالته الاقتصادیة جانباً اشتراکیاً، ولذلک أصبح صدیقاً للروحانی، لأنهما الاثنان یقاومان عدواً مشترکاً (نظام محمد رضا اﻟﭙهلوی). روایة آتش بدون دود ممتعة، لکن قراءتها تأخذ وقتاً طویلاً. نشیر کذلک إلى روایة رازهاى سرزمین من (أسرار أرضی) لرضا براهنی، وهی فی حدود ألف ومائتین صفحة. تبدأ وقائعها قبل سنوات من الثورة وتمتد إلى فترة انتصارها وما بعد ذلک. وهو عمل مشتت, أحد مضامینه الأصلیة التفرقة بین الأتراک والفرس، و هو نفس المضمون الذی أنفق الاستعمار وخاصة بریطانیا وأمریکا من أجله وروَّج له لعقود طویلة. تکثر فی هذه الروایة الإشارة إلى المسائل الجنسیة لدرجة أثارت اعتراض الأوساط المثقفة على نشرها. وهناک قصص أخرى موضوعها الأصلی مواجهة النظام اﻟﭙهلوی, مثل آواز ﮐﺸﺘﮕﺎن (صوت القتلى) و بعد از عروسى ﭼﻪ ﮔﺬشت (ماذا حدث بعد الزفاف) لرضا براهنی، فالأولى لا علاقة لها بالثورة الإسلامیة، أما الثانیة فعنوانها کنایة عن الثورة الإسلامیة. وکذلک قصة از ﭼﺎه به ﭼﺎه (من البئر إلى البئر) لنفس المؤلف یطرق فیها نفس الغرض. وکذلک قصة آتش از آتش (النار من نار) لجمال میر صادقی.
کان میر صادقی عضواً فی حزب "تودة". لکن الاتجاه الغالب على الأثر المذکور هو الاتجاه المنفتح ولیس التوجه المارکسی, وهی قصة صغیرة الحجم ومنظمة، لا تتصل أحداثها بالثورة مباشرة، لکنها ترتبط بالمواجهات مع النظام اﻟﭙهلوی والساواک. وإنی أعتقد أن مشکل هذه الآثار هو محدودیة مخاطبیها، فهی تختص فی الغالب بقشر محدود من المثقفین، والسبب فی ذلک راجع إلى افتقاد کتّاب هذه القصص إلى التجارب الشعبیة والاجتماعیة اللازمة. ولعل قلة متعة وجاذبیة مثل هذه الآثار یکمن فی هذا السبب. لأن العوام لا یستطیعون ربط الاتصال بینهم وبین هؤلاء, لکن بغض النظر عن جانب المحتوى والتوثیق فإن أقوى روایة وأکثرها اتصالاً بالثورة هی روایة مدار صفر درجه (مدار الصفر درجة)، وهی روایة ضخمة تقع فی ثلاثة مجلدات (1800 صفحة). لکن عیبها یکمن فی تحریف طرح الوقائع التاریخیة، فهی تصور أن الثورة جاءت وشرعت من المارکسیین والشیوعیین وتقدمت بفضلهم، وحین انتصرت جاء رجال الدین (الروحانیون والمذهبیون) وامتطوا هذا الفرس وأخذوا بلجامه. لکنه عمل ممتع وجذّاب. وهناک بعض القصص التی تجنبت طرح مواضیع ترتبط بالثورة الإسلامیة، لکنها جعلتها هدفاً لها بانتهاج قالب رمزی أو تمثیلی، فعلى سبیل المثال أحمد محمود هذا فی کتابه درخت انجیر معابد (شجرة تین المعابد) صوَّر إرادة الثورة الإسلامیة الشعبیة وقیام الناس کأنها مدینة خیالیة واستعان بأسلوب وسیاق القصص الواقعیة السحریة. فصوَّر قائد تلک الثورة على هیئة إنسان درویش کاذب، وإن وصفَه لحالته الروحیة تدل على أن الکاتب کان له عین على الثورة. لقد رسمت هذه القصة لهذا الشخص الدرویش ولأتباعه الجُهَّل والخرافیین (بصفتهم عامة الشعب) صورة فاشیة. وقد طرح مقابل هذا التیار الخرافی الشبه مذهبی والانتهازی تیاراً آخر یمثله عدة شخصیات روحانیة مثقفة. أما روایة خانه ادریسى ها (بیت الأدارسة) لغزاله علیزاده فهی فی الظاهر تطرح ثورة اشتراکیة (شیوعیة)، فیها نوع من التشبیه الرمزی یعطف ذهن القارئ إلى مقصود وکنه الکاتب. وکذلک روایة شهرى که زیر درختان سدر مرد (المدینة التی قضت تحت أشجار السدر) لخسرو حمزوى فهی تنطوی على تشبیهات رمزیة تُلمِّح للثورة الإسلامیة. سعى کاتب القصة إلى تشبیه قائد قصته الروحانی بالإمام الخمینی وتشبیه حاشیته بحاشیة الإمام، کما سعى إلى تصویر عامة الشعب فی قصته بشکل مشابه لأتباع وأطراف الإمام الخمینی. فهو یرسم للمذهبیین صورة فظیعة وسیئة. نذکر کذلک المجموعة القصصیة سالهاى ابرى (السنوات السحابیة) لعلی أشرف درویشیان. بطل هذه المجموعة هو الکاتب نفسه وهو عنصر مارکسی. أما جزیره سرﮔردانى (الجزیرة الحائرة) و ساربان سرﮔردان (الحادی الحائر) لسیمین دانشور ابتدأت قبل الثورة بقلیل واستمرت حتى السنوات الأولى للحرب. وکذلک سالهاى بنفش (سنوات البنفسج) لإبراهیم حسن ﺑﻴﮕﻰ، فإنها من القصص المعدودة التی نظرت إلى الثورة نظرة إیجابیة.
مع ذلک فإننا لا نتوفر لحد الساعة على روایة شاملة ومنصفة ووفیة لوقائع الثورة الإسلامیة الأساسیة. بطبیعة الحال لا یُتوقع من أفراد غیر مسلمین أو شبه مثقفین من أمثال أحمد محمود أو سیمین دانشور أن یخلقوا مثل هذه الآثار.
واقع الأمر أن جیل الثورة الملتزم لم یکن له حضور یُذکر فی ساحة الأدب القصصی قبل الثورة، بخلاف أدب الأطفال.
وقد تأسس فی عقد السبعینیات مکتبان عُنیا بهذا الأمر بشکل جدی : الأول مکتب أدب الثورة فی مرکز التربیة الفکریة للشباب، وعمل على توصیة الکتاب وتشجیعهم على تألیف قصص حول الثورة الإسلامیة، وقد نشر هذا المرکز آثاراً کثیرة. وممّن نُشرت لهم قصصاً مطولة فی هذا المرکز نذکر : نورا حق ﭘرست وافسانه شعبان ﻧﮋاد ومحمد رضا محمدی ﭘاشاک، هذا الأخیر نشر مجموعة من القصص تحت اسم "قصص الثورة".
بناء على ذلک فإننا نجزم أنه إذا کانت الکتابة الروائیة فی شکلها الجدید ظهرت فی إیران متأخرة عن الغرب بأکثر من 300 سنة، فإن جیل الکتاب الملتزمین دخلوا إلى هذه الساحة متأخرین عن غیرهم بحوالی ستین سنة على الأقل. یُضاف إلى ذلک أن هذا الجیل کان فتی السن ویفتقد للتجارب اللازمة، فکُتَّاب العقد الأول بعد انتصار الثورة الإسلامیة حدیثو السن ویفتقدون للتجربة الاجتماعیة. إنهم لم یعایشوا الوقائع التی جرت فی العقود السابقة وانتهت بالثورة. وحتى عمرهم الفتی لم یکن یؤهلهم لتعویض هذا النقص، لذلک فإنهم لم یکونوا یهتمون بالکتابة الروائیة للکبار. أما الکتاب الکبار فی الجیل السابق فإما أنهم لم یکونوا مع الثورة الإسلامیة وإما کانوا معارضین لها، لذلک لم یریدوا أن یصرفوا تجاربهم فی الکتابة حول هذه الثورة. والذین کتبوا منهم حول الثورة کتبوا ذلک بعد نجاح الثورة بسنوات عدیدة وبالتالی حرّفوا وقائع الثورة. یعنی ذلک أن الذین کانوا یمتلکون تجارب مهمة فی هذا الفن لم یؤلفوا شیئاً عن الثورة، والذین کانوا یریدون الکتابة لم یستطیعوا بسبب الإمکانات المادیة وضیق الوقت.
بعد انتصار الثورة بسنة و بضعة أشهر (سبعة أو ثمانیة) بدأت الحرب العراقیة الإیرانیة المصیریة فکان من اللازم تجنید کل الإمکانیات والطاقات المادیة والمعنویة للحرب. وکانت مسؤولیة إدارة الشؤون الثقافیة والفنیة تقع على کاهل أهل القلم من الملتزمین. لذلک فقد وجَّه الکتاب المذکورون اهتمامهم الکامل صوب هذا الموضوع الجدید أی "الدفاع المقدس". وهذا ما یفسر توفرنا حالیاً على آثار مهمة حول "الدفاع المقدس" سواء من الناحیة الکمیة أو الکیفیة.
وحین وضعت الحرب الإیرانیة العراقیة أوزاها کانت قد خلقت فجوة ذهنیة کبیرة تمتد عشر سنوات من تاریخ نجاح الثورة، لذلک کان من الصعب بالنسبة للکاتب من الناحیة الذهنیة العودة إلى ذلک العالم الخاص. أضف إلى هذا أن طیفاً مهماً من الجیل المرتبط بالثورة بدأ یتشکل فی ذهنه استحالة العودة الفکریة إلى ذلک العهد وبالتالی استحالة دخول ساحة الأدب القصصی الثوری. کما أن مثل هذه الآثار لم یعد لها مخاطب، إذا أضفنا إلى ذلک التدنی الحاصل فی معدل نشر الکتب والذی جعل عدداً مهماً من کُتَّاب جیل الثورة یحجم عن الکتابة بصفتها عمله الأول والأصلی و ینصرف للکتابة فی المواضیع التی تذر علیه أرباحاً أکثر وبوتیرة أسرع. إذا علمنا ذلک فسیسهل علینا إدراک أسباب هذا الرکود فی الکتابة.
لقد تابعت أخبار هدا المؤتمر العدید من وسائل الاعلام المکتوبة والمرئیة، للإطلاع علیها یرجى زیارة المواقع التالیة
http://www.alintiqad.com/essaydetails.php?eid=31703&cid=7
http://www.almanar.com.lb/NewsSite/NewsDetails.aspx?id=137033&language=ar
http://www.assafir.com/Article.aspx?ArticleId=1303&EditionId=1540&ChannelId=35847
http://ucipliban.org/arabic/index.php?option=com_content&task=view&id=18439&Itemid=221
http://www.elnashrafan.com/news-1-16830.html
http://arabic.irib.ir/Pages/news/detailnews.asp?idn=56001
http://www.almustaqbal.com.lb/stories.aspx?storyid=408226
http://www.taghribnews.ir/AR/Nsite/FullStory/?Id=5813
http://www.al-vefagh.com/1389/2/22/Alvefagh/3622/Page/13/Index.htm
http://beirut.icro.ir/index.aspx?siteid=138&pageid=11628&newsview=547352
الأدب المقارن العربی- الفارسی
تتشرف کلیة الآداب والعلوم الانسانیة/ الجامعة اللبنانیة/ بیروت بدعوتکم لحضور المؤتمر الدولی «الأدب المقارن العربی- الفارسی» الجلسة الافتتاحیة:
- کلمة الدکتور خلیل ابوجهجة- عمید کلیة الآداب والعلوم الانسانیة - کلمة السید محمد حسین رئیسزاده- المستشار الثقافی للجمهوریة الاسلامیة الایرانیة فی لبنان - کلمة السید میرمسعود حسینیان- القائم بأعمال سفارة الجمهوریة الاسلامیة الایرانیة فی لبنان یقدم الاحتفال الدکتور فکتور الکک رئیس مرکز اللغة الفارسیة وآدابها فی الجامعة اللبنانیة الزمان: یوم الثلاثاء الواقع فیه: 11/ أیار/ 2010- الساعة العاشرة صباحاً المکان: قصر الاونسکو- بیروت
I- یوم الثلاثاء 11 أیار 2010 – قاعة قصر الاونیسکو- بیروت الجسلة الاولى: من الساعة 11-13 الأدب المقارن العربی- الفارسی، تاریخیاً رئیس الجلسة: الدکتور فکتور الکک 11- 20 :11 الدکتور یوسف بکار(جامعة الیرموک- الاردن) من مفارقات الاقتراض اللغوی بین العربیة والفارسیة 20 :11- 40 :11 الدکتور عبدالله رادمرد(جامعة الفردوسی- ایران) الحبسیات الفارسیة والعربیة فی میزان الأدب المقارن 40 :11- 12 الدکتورة دلال عباس(الجامعة اللبنانیة) مجنون لیلى فی الأدبین العربی والفارسی 12- 20 :12 الدکتور السباعی محمد السباعی(جامعة القاهرة- مصر) ترجمة رباعیات الخیام اللغة العربیة،نموذجاً لتأثیر الأدب الفارسی فی الأدب العربی 20 :12- 40 :12 الدکتور طونی الحاج (الجامعةاللبنانیة) الرحلة الایرانیة فی الأدب المقارن 40 :12- 13 مناقشة الجلسة الثانیة: من الساعة: 16 الى 18 الأدب المقارن العربی- الفارسی المعاصر رئیس الجلسة: الدکتور السباعی محمد السباعی 16- 20 :16 الدکتور عارف الزغول(جامعة الیرموک- الأردن) مزالق الترجمة بین العربیة والفارسیة، روایة شتاء 1984 نموذجاً 20 :16- 40 :16 الدکتور حسن اکبری بیرق(جامعة سمنان- ایران) نظرة فی شعر فروغ فرخزاد وغادة السمان وفکرهما 40 :17- 17 الدکتور حسین سیِّدی(جامعة الفردوسی- ایران) الرومانسیة فی آثار جبران خلیل جبران و سهراب سپهری 17- 20 :17 الدکتور حسین فاطمی(جامعة الفردوسی- ایران) الرومانسیة فی «أسطورة» نیمایوشیج و«المساء» لخلیل مطران 20 :17- 40 :17 السید جواد میزبان(جامعة الفردوسی- ایران) المقارنة الأدبیة بین نیمایوشیج ونازک الملائکة 40 :17- 18 مناقشة الجلسة الثالثة: من الساعة: 20 :18 الى 20 الترجمة المقارنة للنصوص الفارسیة والعربیة رئیس الجلسة: الدکتور یوسف بکار 20 :18- 40 :18 الدکتور فکتور الکک(الجامعة اللبنانیة) ترجمة الشعر شعراً بین الفارسیة والعربیة خلال نهضة الشعر الفارسی 40 :18- 19 الدکتور محمد جعفر مهدوی(جامعة الفردوسی- ایران) ترجمة الأفعال العربیة ذی مفعولین وذی ثلاثة مفعولات 19- 20 :19 الدکتور عبدالکریم جرادات(جامعة آلالبیت- الأردن) الترجمة الأدبیة من الفارسیة بالعربیة 20 :19- 40 :19 السیدة نرجس الخریم (جامعة مارک بلوک استراسبورغ- فرنسا) الترجمة الأدبیة من العربیة بالفارسیة، الإنجازات والمشاکل والآفاق 40 :19- 20 مناقشة II- یوم الأربعاء 12 أیار 2010 – قاعة قصر الاونیسکو: الجسلة الاولى: من الساعة 10-12 الأدب المقارن العربی- الفارسی تاریخیاً رئیس الجلسة: الدکتورة هویدا عزَّت محمد 10- 20 :10 الدکتور احمد موسى (جامعة شعیب الدکالی- المغرب) تأملات فی شعر الملمَّعات 20 :10- 40 :10 الدکتور صاحبعلی اکبری(جامعة الفردوسی- ایران) المضامین المشترکة بین الأدبین الفارسی والعربی 40 :10- 11 الدکتورة ندى حسّون(جامعة دمشق- سوریا) أثر اللغة العربیة وادبها فی شعر ناصر خسرو 11- 20 :11 الدکتور علی نورالدین(الجامعة اللبنانیة) الأدب الفارسی فی وجدان الشعوب، رحلة إلهام، کلیلة ودمنة نموذجاً 20 :11- 40 :11 الدکتور مهیار علوی مقدم(جامعة سبزوار- ایران) دراسة ارداویراف نامه و رسالة الغفران والکومیدیا الإلهیة المقارنة 40 :11- 12 الاستاذ محمد حسین ساکت(جامعة طهران- ایران) نظرة فی تائیة ابن الفارض وعبدالرحمن الجامی 12- 15 :12 مناقشة الجلسة الثانیة: من الساعة: 30 : 12 الى 30 :14 الأدب المقارن والعلوم الأدبیة رئیس الجلسة: الدکتور احمد موسى 30 : 12- 50 :12 الدکتورة هویدا عزَّت محمد(جامعة المنوفیة- مصر) البناء الهیکلی للقصیدة بین العربیة والفارسیة 50 :12- 10 :13 الدکتور احسان قبول(جامعة الفردوسی- ایران) مناهج الدراسات المقارنة 10 :13- 30 :13 الدکتور عباس صباغ(جامعة حلب- سوریا) وقع المطر عند بدر شاکر السیاب و سهراب سپهری 30 :13- 50 :13 السید سلمان ساکت(جامعة الفردوسی- ایران) دور رشیدالدین وطواط فی ربط الأمثال العربیة وبالفارسیة 50 :13- 10 :14 السید حیدر خضری(جامعة دمشق- سوریا) ببیلوغرافیا الدراسات المقارنة بین الأدبین العربی والفارسی 10 :14- 30 :14 - اختتام أعمال المؤتمر - قراءة الاقتراحات - توزیع شهادات المشارکة للمزید من المعلومات یرجى فتح الروابط التالیة http://beirut.icro.ir/index.aspx?siteid=138&pageid=11628&newsview=548781 http://www.icro.ir/index.aspx?siteid=261&pageid=21789&newsview=549085 http://beirut.icro.ir/index.aspx?siteid=138&pageid=11628&newsview=549076 http://beirut.icro.ir/index.aspx?siteid=138&pageid=11628&newsview=548891 http://beirut.icro.ir/index.aspx?siteid=138&pageid=11628&newsview=548835 http://beirut.icro.ir/index.aspx?siteid=138&pageid=11628&newsview=548831 http://beirut.icro.ir/index.aspx?siteid=138&pageid=11628&newsview=548830

حافظ الشیرازی، شاعر الغزل
حافظ من بین الشعراء الذین تعرضوا لهجوم کاسخ من اقلام و ألسنه هؤلاء غیر المنصفین او الجاهلیه بلغه العرفان، بل و بالحیاه العرفانیه التی لا یدرکها الا اهلها. و راح الکثیر من هؤلاء یشککون فی عرفانیه هذا العارف الکبیر من خلال التأشیر علی المفردات و الألفاظ الوارده فی شعره و التی یفهمون منها معان اخری لاصله لها بالعرفان، بل و ربما تصب –من وجهه نظرهم- فی ودیان اللاتدین، و الانغماس فی الملذات، و اتباع الهوی
شخصیته الصوفیة :
لاشک ان العرفان یشکل غرضاً مهماً من اغراض الشعر الفارسی، و اذا کان «الحب» یؤلف الغرض الاکبر فی هذا الشعر، فان العرفان و الشعر یکمل کل منهما الآخر، و لا یستغنی احدهما عن الثانی، ذلک لان الحب هو اساس العرفان، و لا یمکن للعارف ان یعرف الله تعالی دون ان یملأ حب الله جوانحه و یملک علیه لبه. و لهذا لا غروان نری ثلثی العرفاء الایرانیین هم من الشعراء. فسنائی و العطار و جلالالدین عرفاء لاشعراء، و سعدی و حافظ شعراء عرفاء.
و من الطبیعی ان لکل عدم اصطلاحاته الخاصه به، و لا یشذ العرفان عن هذه القاعده، فله اصطلاحاته الخاصه و لغته الخاصه القائمه علی الرمزیه فی اغلب الاحیان. و لاشک ان النزوع نحو الرمزیه فی التحدث عن مکنونات الفکر و القلب- و لاسیما فی موضوع حساس کالعرفان – یمنح الشاعر الحریه فی التحدث و الانطلاق بشکل اکبر فی آفاق الخیال و اضفاء المزید من الصور و الملامح الفنیه. کما انه اسلوب یحتمی به الشاعر من کل ما یمکن ان یفسر علی انه ریاء و نفاق، فضلاً عن انه یبعده عن المخاطر التی یمکن ان تترتب علی الکلام الصریح، لاسیما فی تلک العصور التی کان یتهم فیها المرء علی کلامه بشتی التهم و التی قد یدفع حیاته ضریبه لها.
و اذا ما اراد احدنا ان یتحدث عن عارف مثل حافظ، فلابد ان نلقی علی انفسنا هذا السؤال: ما هی الخطوات التی خطوناها نحن فی وادی السیر و السلوک، حتی نتحدث عن عارف کبیر مثل حافظ؟
انها قضیه شاقه جداً ان یتحدث احدنا عن حافظ او مولوی او ابن عربی او ابن الفارض، لان هؤلاء کانوا یعیشون عالما لم نعشه نحن و یسلکون وادیاً لن نسلکه و یبصرون اشیاء لم نبصرها، لهذا لیس بامکاننا ان نفهم اللغه التی یتحدثون بها او خاصه و عبارات لا یستوعبها فکرنا القاصر و لا افقنا المحدود. و لهذا قد یلجأ البعض رمی هذا بالزندقه و ذاک بالتمرد علی الشریعه و ثالث بمعاقره الخمر و الرکون الی لذائذ الحیاه، اعتماداً علی المصطلحات و المفردات التی یستخدمها هؤلاء فی اشعارهم و کتاباتهم، ناسین او لهؤلاء لغه خاصه لا نفهمها نحن، و ان لدینا افقاً فکریاً و نفسیاً یضیق عن استیعاب هذه المفردات و فهمها.
و کان حافظ من بین الشعراء الذین تعرضوا لهجوم کاسخ من اقلام و ألسنه هؤلاء غیر المنصفین او الجاهلین بلغه العرفان، بل و بالحیاه العرفانیه التی لا یدرکها الا اهلها. و راح الکثیر من هؤلاء یشککون فی عرفانیه هذا العارف الکبیر من خلال التأشیر علی المفردات و الألفاظ الوارده فی شعره و التی یفهمون منها معان اخری لا صله لها بالعرفان، بل و ربما تصب - من وجهه نظرهم- فی ودیان اللاتدین، و الانغماس فی الملذات، و اتباع الهوی، و غیر ذلک من مخترعات اخترعتها افکارهم القاصره و لصقوها به!
و قدم الشهید مرتضی مطهری ملخصاً بالآراء المطروحه حول حافظ، اعتماداً علی اشعاره1، هی:
اولاً- انه شاعر بتمام معنی الکلمه. فلم یکن لدیه ای هدف سوی انتاج الشعر، و صیاغه رائعه شعریه عظیمه، و لم یکن مهماً لدیه المواد التی تشکل دیوانه!
و اذا کان حافظ هکذا حقاً، فلا یمکن علی هذا الاساس استنباط شخصیته من الدیوان، فهو لیس اکثر من فنان او شاعر غیر ملتزم یرید الشعر من اجل الشعر، او الفن من اجل الفن!
و هذه الفریضه مرفوضه اساساً، لان اشعار حافظ لم تکن اشعاراً میته و لا مصطنعه، انما هی امواج صادره من روح نبیله شفافه، و معبره تعبیراً حقیقیاً عن تفاعلات الروح و لواعج النفس. و لیس بامکان ای کلام مصطنع ان تکون لدیه هذه القابلیه من القوه و العمق و التأثیر بحیث ینفذ الی القلوب بکل بساطه و یحلق بالنفوس فی آفاق رحبه بعیده عن هذا العالم المادی الضیق.
فالشاعر غیر المتفاعل مع شعره، و النفان غیر المندمج مع فنه، لیس بامکان ای منهما یخلق مثل هذا الاثر العظیم الخالد. و الشاعر مهما کان بلیغاً او فصیحاً لیس بامکانه ان یبدع او یؤثر علی النفوس و یهز الضمائر و یخلد خلود الحیاه، اذا لم یکن کلامه صادراً من القلب و متفاعلاً مع الروح.
ثانیاً- و الفرضیه الاخری فرضیه عجیبه تقول ان حافظ قد انشد هذه الاشعار بتأثیر حالات و ظروف مختلفه مر بها، و هذا التردد و التذبدب الذی یلاحظ فی شعره ناجم عن تذبذبه الروحی.
و یعتقد ادوارد براون فی «تاریخ الادب الایرانی» ان کافه الایرانیین علی هذا النمط، و ان حافظ عند حدیثه عن الخمر فی شعره یرید الخمر فحسب، و عند تحدثه عن العرفان یرید العرفان لا غیر!؟
غیر ان عدم فهم اصحاب هذا الرای للرموز الشعریه العرفانیه التی سبقت الاشاره الیها، یکمن فی الدرجه الاولی خلف رأیهم هذا، سیما و ان اغلب هذه الآراء صادره عن مستشرقین لا یعرفون الشخصیات المسلمه. اذا لم نقل انهم یتعمدون التشویه. فکیف یمکن للمرء المسلم ان یعاقر الخمر و لا یتردد عن اشباع شهواته و نزواته فی نفس الوقت الذی یقبل فیه علی الله و یسعی لنیل رضاه و الوصول الیه محتملاً کافه المشاق علی طریق ذلک الوصول؟!
و هل یمکن ان ینسجم تهذیب النفس و تربیه الروح و ترویضها مع اطلاق العنان للشهوات و الرغبات و الاهواء؟
ثالثاً- هناک من یقول ان حافظ قد قال هذه القصائد المتباینه فی فترات مختلفه من حیاته! فشعر الشراب و الانس یعود الی مرحله الشباب، و شعر التقوی و الفناء فی الله یعود لمرحله الشیخوخه!
و طبقاً لهذه الفرضیه، یکون حافظ شخصاً نزویاً منغمساً فی الملذات، شارباً للخمر فی اوان شبابه، ثم انه اناب فی شیخوخته مثل العرفاء الآخرین الذین انابوا فی حیاتهم کفضیل بن عیاض و ابراهیم الادهم و بشر الحافی.
و هذا الرأی مرفوض ایضاً، لاننا طالما نجد فی القصیده الواحده حالتی الشباب و الشیخوخه التی اشار الیها اصحاب الرأی.
رابعاً- هناک فریق آخر یری –و ربما تکون رؤیته هذه عن سوء نیه –ان علینا ان نذعن مع کل هذه الاشارات الواضحه و التصریحات البینه عن الخمر و الانس و الطرب و الملذات، ان حافظ کان کذلک حقاً. و اما ما یقال عن عرفانیته، فهو لیس الا من تأویل المهتمین به والذین لا یریدون له ان یظهر بغیر هذا المظهر!
و هذا رای لا تقوم له قائمه امام اشعار حافظ العرفانیه الصریحه و سلوکه الملتزم الذی یشهد له به الآخرون. و اذا کان علینا ان نرفض الصریح من شعره العرفانی الذی یحفل به دیوانه، کان الاولی بنا ان نرفض ایضاً اللاصریح من شعره العرفانی، و نرید به ذلک الشعر الذی یفسره الآخرون علی انه شعر منحرف.
خامساً- و الرأی الآخر- و هو الرأی الاقوی و الذی یقف اکثر الباحثین و المهتمین بحافظ الی جانبه –یری ان شعر حافظ شعر عرفانی من اوله الی آخره، و لیس فیه ما یخرج من اطار العرفان حتی ذلک الشعر ذی الظاهر اللاعرفان. و ما یبدو من بعض شعره معارضاً للشریعه، انما هو مجموعه من الاصطلاحات التی تعارف علیها العرفاء، و لم ینفرد بها حافظ عنهم. فهم یریدون بالخمر و الزلف و الخال و الخط و الحانه، و الرقص، و غیرها معان اخری غیر المعانی المتداوله عند عامه الناس.
فلیس هناک شک فی ان فن حافظ هو السلوک و العرفان، و من البدیهی ان کل فن فی مساره التکاملی ارضیه لولاده اصطلاحات خاصه به. و مقدار و عدد و نوع الاصطلاحات ذو علاقه مباشره و لاشک بمستوی تکامل کل فن، کما ان وجود تلک الاصطلاحات بمثابه الاعلان عن حیاه ذلک الفن.
و علی الاساس، نجد اللغه الشریعه التی یتحدث بها حافظ هی الاخری لغه رمزیه، ای لغه حافله بالایماء و الاشاره و مکتظه بالکنایه و الاستعاره.
شهادة التاریخ :
من حیث التاریخ، کان شاعرنا معروفاً فی عصره کعالم فاضل و لیس کشاعر صوفی عادی. و وصفه محمد غلندام –و کان معاصراً له و تلمیذاً لقوام الدین عبدالله- فی مقدمته علی دیوان حافظ قائلاً «مولانا الاعظم السعید المرحوم الشهید مفخره العلماء، استاذ نحاریر الادباء، مخزن المعارف السبحانیه، شمس المله و الدین، محمد الحافظ الشیرازی… طیب الله تربته و رفع فی عالم القدس رتبته».
کما ان کاتب دیوانه الذی یقرب زمانه من زمانه، ذکر فی آخر نسخه نقلها القزوینی:
«تم الدیوان (کذا) للمولی العالم الفاضل ملک القراء و افضل المتأخرین شمس المله و الدین مولانا محمد الحافظ روح الله روحه و أوصل فتوحه و نور مرقده».
و یفهم من لقب «ملک القراء، الذی اضفاه علیه کاتب دیوانه، انه کان من مشاهیر قراء عصره، و اشتهر بهذه الصفه فی زمانه.
و کانت باقی جوانب شخصیته تغلب فی عصره علی شخصیته کشاعر، و هذا ما یؤکد انه لم یکن یمتهن الشعر کما حاول البعض ان یصور ذلک، فلو امتهن الشعر لعرف کشاعر فی عصره و لهذا السبب لم یکن شاعراً مکثاراً و انه کان یقول قصیده فی کل شهر تقریباً. و رغم هذا فقد اکتسب شعره شهره عجیبه فی عصره، فلم یخرج من بوابات شیراز فحسب، بل خرج من بوابات ایران بأسرها.
کما لم یعرف حافظ کصوفی محترف بل عرف کعارف متق. فلم یکن المتصوفه آنذاک اناساً متخفین و غیر معروفین، و کان لکل متصوف شیخ و طریقه، و یختلفون عن عامه الناس فی الزی و المظهر و لیس الخوذه و عدم حلاقه شعر الرأس و غیرها من العلامات الاخری.
و رغم هذ لم یقل احد حتی الیوم من کان استاذ حافظ علی الصعید العرفانی، و هذا ما یؤکد علی عدم رغبته فی الظهور امام الناس او التبجح بذلک المظهر کما کان یفعل الکثیرون. و نحن لا نشک بوجود استاذ لحافظ، لکن یبدو ان ذلک الاستاذ لم یکن من صنف مشایخ الصوفیه المعروفین و لا من سلسله المتصوفه المعروفه.
و المتصوفه الشیعه بشکل عام –و علی العکس من الآخرین- لم یکونوا من اهل الثرثره و لم یبلغوا لانفسهم او یتحدثوا عن تصوفهم و عرفانهم. و قلما یعرف المتصوفه الشیعه او اساتذتهم رغم انهم کانت لدیهم اسمی المقامات العرفانیه، و لم یعرف بهم حتی اسرهم و جیرانهم.
و سعی حافظ لقطع الطریق العرفانی دون استاذ فی بدایه الامر، لکنه شاهد بعد فتره عجزه عن تحقیق التکامل بدون دلیل و لهذا کان یقول:
لا تنطلق الی حاره الحب بدون دلیل فقد انطلقت لوحدی فلم افلح
و لقب «لسان الغیب» الذی اضفی علیه، لم یکن من الالقاب المتأخره، و انما من الالقاب التی اطلقت علیه فی عصره، و هذا شاهد آخر علی انه کان یعرف کرجل ذی تقوی و عرفان و علی اتصال بالله تعالی فی اوساط مجتمعه.
طبعه النقاد :
و یختلف شاعرنا العارف فی فهمه للشیخ او المرشد عن فهم المتصوفه بل و حتی العرفاء الذین عاصروه او سبقوه. فالمرشد من وجهه النظر الصوفیه «بمعنی الامام الذی لا یمکن للسالک ان یصل الی الحق بدونه و تستعمل مفردات القطب و المراد و الولی و الغوث عند الصوفیه، بهذا المعنی ایضاً. و یعد ارتداء الخرقه علی ید الشیخ الخطوه الاولی علی طریق الدخول الی دائره التصوف، و الشیخ هو بمثابه قطب دائره الامکان و المتصدی لتربیه و تهذیب السالک و ایصاله الی الحق. و لهذا فان اوامره مطاعه و متبعه بدون ادنی اعتراض»3.
غیر ان فهم حافظ للشیخ او المرشد لم یکن فهماً بسیطاً، لانه لم یفکر وفق العاده و العرف، بل خلافاً له فی الغالب. فقد تمیز بالفکر الاصیل و الروح الحذره، و لهذا کان یقیم القیم و المثل السائده فی عصره و یزنها فی میزان طبعه النقاد و معیار ذهنه الوقاد. فلم یکن من اولئک الذین یطأطئون رؤوسهم و یحنون رقابهم امام الافکار و العادات السائده ما لم یدرکوا انسجامها مع العقل و الشرع.
کان حافظ یبحث اولاً و قبل ای شیء عن الدلیل، الذی یولد لدیه القناعه الکافیه للایمان او عدم الایمان بفکره او قیمه او ظاهره ما، و لهذا کان یؤمن بالمرشد او الشیخ، لکنه لم یکن یؤمن بأغلب شیوخ عصره الذین اتخذوا من الخانقاه مصیده للآخرین. و لما کان حافظ و فناناً –و الفنان یتمیز بطبع خلاق- و لما کان عارفاً- و العارف یخلق بهمته ما یشاء –نراه ینبری لخلق ذلک الشیخ الذی کان یبحث عنه، و الذی یمکن ان نسمیه «الشیخ المثالی».
فالثوره الفکریه لدی حافظ تتجلی فی انه و بدلاً من ان یکون تلمیذاً للشیخ، لجأ الی تربیه الشیخ فی حجر فنه.
و الخرفه التی تعد اهم ذکریات الصوفی و ثروته المقدسه، قد یجدها حافظ ملوثه بالخمر، او بالعجب و الریاء. و کان یری فی اغلب الاحیان ان هذه الخرقه تستحق الحرق4. و کان رأیه هذا نابعاً عن طبیعته التی تمقت التصنع و التظاهر و الانشداد الی المظاهر دون البواطن، و اتخاذ الزهد او التدین من قبل البعض وسیله لتحقیق بعض الاغراض.
فهو یؤمن ان المرء یجب ان یتغیر من داخله، و ان ینعکس ذلک التغیر علی سلوکه و تعامله من نفسه اولاً و مع الآخرین ثانیاً. اذ ان الانسان لم یخلق عبثاً، بل ان له دوراً سامیا یجب ان یؤدیه علی احسن وجه و انصع صوره، و لا یمکن له ان یؤدی هذا الدور اذا حاول ان یلتصق بالقشور دو الألباب، او یخدع الناس من خلال الزی او السلوک ناسیاً انه لن یخدع الله تعالی، و انه سبحانه مطلع علی ضمیره و خبایا نفسه.
و لهذا کان یقول کلمه الحق، و لا یتردد عن توجیه ای انتقاد مهما کان لاذعاً الی الممارسات و السلوکیات الخاطئه التی شهدها عصره حتی ولد ارتدت لباس التصوف او الدین او بتعبیر آخر حتی لو تظاهرات بالطریقه و الشریعه، و کان یمیل فی اغلب الاحیان الی استخدام السلاح الساخر فی توجیه انتقاداته لما لهذا السلاح من تأثیر کبیر یفوق استخدام الکلمه الجدیه الموجهه بشکل مباشر. فکان ینتقد باستمرار و باسلوب الفکر الساخر ما کان یتعرض له الدین من فساد و تشویه فی عصره بسبب بعض الممارسات التی تنسب ظلماً الی الدین، لهذا کان یرفع عقیرته صائحاً.
لهذا نقول بثقه ان شاعرنا کان عارفاً نقاداً ذکیاً، و لم یکن من نمط العرفاء او المتصوفه الذین اتخذوا من التصوف او العرفان مهنه او وسیله. و اذا ادعی احد ان حافظ کان یتعارف یکون قد اساء الی العرفان من جهه، و برهن علی جهله بحافظ من جهه اخری.
فقصائده العرفانیه نابضه بالحیاه و لا یمکن لاحد ان ینشد مثل هذه القصائد الحیه اذا لم یکن قد عایش العرفان و جربه. فهل یمکن ان تکون الابیات التالیه قد صدرت عن غیر معایشه؟:
«منذ سنین و القلب یطلب منا کأس جم»
«انقذونی عند السحر من الغصه»
«رأیت فی اللیله الماضیه الملائکه تقرع باب الحانه»
«ایها الجاهل اسع کی تکون عالماً»
فکان حافظ یهرب عن التصوف الرسمی و یحتمی بحصن العرفان الحقیقی الذی کان ینظر الیه من منظاره الخاص غیر المتأثر بالحاله السائده او القیم المهیمنه علی الافق العرفانی آنذاک:
یهرب حافظ من الخانقاه الی الحانه فهل صحا من سکر زهد الریاء؟
الحب الإلهی :
الحب هو محور العرفان و الأدب بشکل عام، و هو اللغه الوحیده التی یتحدث بها عرفاء الاسلام، بل و کافه المدارس العرفانیه. و لهذا لیس غریباً ایضاً ان یکون «الحب» اهم رساله یوجهها دیوان حافظ الی القراء.
و «الحب» فی الادب الفارسی المنظوم له مظهران بارزان: الاول «الحب الانسانی» الذی نلمحه فی مثنویات رودکی و عنصری و نظامی، و الثانی «الحب الالهی» و الذی ظهر لأول مره فی مثنویات سنائی و العطار و بلغ ذروته فی مثنویات جلالالدین الرومی (مولوی).
و الحب الالهی –او العرفانی- ذو هدفان عاده: الاول هو التخلق باخلاق الله و تهذیب النفس و ایصالها الی مرحله الکمال، و الثانی هو الفناء فی الله.
و یری بعض الباحثین ان حافظ لم یکن لدیه سوی الحب الالهی، فکتب الدکتور مرتضوی قائلاً: «یستعمل حافظ العقل فی الغالب بمفهومه الکلی و الرفیع و المعنوی، ای بمعنی الاحتیاج و الحرکه و الانجذاب نحو المعبود المطلق، و التأثیر و المیل نحو منبع الحسن الازلی، و الاستسلام المحبب الی جاذبیه الحبیب… و یعتقد بصراحه ان الطین البشری معجون بشراب العشق طبقاً للآیه الکریمه «انا عرضنا الامانه علی السماوات و الارض…» و الحدیث القدسی وسیله ناقصه قائمه علی اساس الطبیعه و لا قدره له علی ادراک ماوراء الطبیعه و ما فوق عالم الماده و خفایا و ظواهر عالم الظاهر و الوجود. و یؤمن بان الحب هو السلم الوحید الذی یکمن بواسطته الصعود من حضیض الارض الی ذروه زحل، و الفناء –کالقطره- فی بحر الابدیه، و نیل وصال جمال الاله»5.
هذا فی حین یعتقد الدکتور عبدالحسین زرین کوب ان لدی حافظ نوعین من الحب: الهی و انسانی، و یضیف قائلاً: «للحب فی کلام حافظ مفهوم ثنائی یتذبذب بین الحب المجازی و الحب الالهی و یسعی حافظ غالباً لاقناعنا بان الحب الانسانی کالحب الالهی و لیس هناک تفاوت بین ما هو موجود فی «المسجد» و «الکنیسه» لان کلیهما تجل لجیب واحد فالحب الانسانی عند حافظ قنطره توصل الی الحبیب… کما ان الجمال الانسانی عنده لیس سوی تجل للحق»6.
بینما یری الدکتور محمد علی اسلامی ندوشن ان الحب عند حافظ ثلاثه انواع: الاول یمکن ان یکون احد افراد زمانه. و الثانی حبیب لیس لدیه ملامح واضحه و لا یمکن ان نعرفه علی وجه الدقه، فهو کائن نصف مثالی و نصف حقیقی کان حافظ یبحث عنه خلال حیاته، و الثالث محبوب ذو مفهوم واسع للغایه یقع فی مرکزه الله تعالی صانع کافه الجمالات7.
و الحب الالهی فی الواقع من اعظم الینابیع و الکنوز المعنویه التی تغذی شعر حافظ، حیث نجد ملامح التحبب الی الحبیب الابدی و الازلی واضحه علیه. و القرآن الکریم یشکل المصدر الاصلی لذلک الحب الذی کان یتدفق من قلبه و وجدانه و ینهمر علی شکل کلمات و مشاعر و عواطف مغلفه بالرموز و الاستعارات و الکنایات.
و یعتمد حافظ مثل اغلب العرفاء فی حبه لله علی ثلاث آیات بشکل خاص و هی:
«یا ایها الذین آمنوا من یرتد منکم عن دینه فسوف یأتی الله بقوم یحبهم و یحبونه»8.
«قل ان کنتم تحبون الله فابتعونی یحببکم الله و یغفرلکم ذنوبکم»9.
«و الذین آمنوا اشد حبا لله»10.
و لهذا نجد حافظ یهتف قائلاً:
ماذا لو سقط ظل المعشوق علی العاشق فنحن بحاجه الیه، و هو مشتاق الینا
و یعتقد ان حافظ یشیر فی هذا البیت الی الحدیث القدسی القائل: «کنت کنزاً مخفیاً فأحببت ان اعرف، فخلقت الخلق لکی أعرف».
و للغزالی تعلیق علی هذا الحدیث ایضاً یقول: طال شوق الابرار الی لقاء الله، و ان الله الی لقائهم لأشد شوقاً11.
أبو القاسم الفردوسی ورائعته "الشاهنامة"
الحکیم أبو القاسم الفردوسی، أکبر شاعر ملحمی فارسی، و أحد ألمع وجوه الأدب فی العالم. ولد بطوس الإیرانیة فی أسرة إقطاعیة ذات أملاک و ضیاع. اسمه المنصور بن الحسن کما ورد فی الترجمة العربیة للشاهنامة التی قام بها الفتح البنداری عام 620 هـ. بینما ذکرت له بعض المصادر أسماء أخرى کالحسن بن علی، و الحسن بن إسحاق بن شرف شاه .. الثابت أنّ کنیته أبو القاسم و تخلصه الفردوسی(1).
و اختلف المؤرخون فی عام ولادته و وفاته أیضا، و یستشف من القرائن التی وردت فی شعره أنه ولد بین 324 ـ 329 هـ و توفی فی 1411 و 416 هـ
و فی القرن الرابع الهجری کان اکثر الإقطاعیین الإیرانیین تحت تأثیر السنن و العادات القدیمة و التراث الثقافی رغم دخولهم فی الإسلام. و لا شک أن ذلک التأثیر کان نتاجاً طبیعیاً لشعور یملی التعبیر عن الاحترام لسنن الأجداد و تمجید المدنیة السالفة(2).
و شهدت إیران ـ سیما خراسان ـ تحولات سیاسیة بارزة قبل نظم الفردوسی للشاهنامه و خلال نظمها و منها ظهور و انقراض الأسرة السامانیة التی یقول المؤرخون أن ملوکها ینتسبون إلى بهرام جوبین القائد الساسانی(3). و کانت هذه الأسرة تبدی رغبة عظیمة فی إحیاء ما لا یتعارض مع الإسلام من السنن و الآداب الإیرانیة القدیمة، تؤکد على إحیاء التراث الإیرانی.
و فی مثل هذه الظروف ولد شاعرنا الفردوسی، و تفتحت عیناه على الإسلام من جهة و على النزعة نحو التراث من جهة أخرى و لاشک أن هذا قد ترک تأثیراً کبیراً علیه، و خلق لدیه تعلقاً منقطع النظیر بالحضارة الفارسیة القدیمة. و وجد فی نفسه دافعاً یدفعه نحو تخلید التراث القدیم عبر لغة الشعر، تلک اللغة التی کان رائداً فیها.
لکن الفردوسی و رغم اعتزازه بالماضی الإیرانی الذی سبق الإسلام، فقد کان فخوراً بإسلامه أیضا ویکنّ أعظم الاحترام للرسول (ص) و المقدسات الإسلامیة. ففضلاً عن کونه إیرانیا أصیلا، کان أیضا مسلماً ملتزماً لم ینحرف عن عبادی مبادئ الإسلام ذرة و لم ینظم ما یتعارض مع العقیدة الإسلامیة(4).
و لهذا لا معنی لما رمته به بعض المصادر من القرمطة أو الباطنیة و الزرادشتیه و غیرهما. و هذه الشاهنامه تؤکد على لسانه إیمانه بالله و توحیده، و اعتقاد بالرسول (ص) و تدینه بالاسلام و اعتزازه بالکعبة و المقدسات الإسلامیة.
نبذة تاریخیة عن الشاهنامة :
جاء فی المصادر التاریخیة أن خسرو برویز الساسانی قد أمر بجمع الأساطیر الایرانیة فی مطلع القرن المیلادی السابع و قبیل فتح المسلمین لإیران. و تم تدوینها فی عهد حفیده یزدجر شهریار الذی حکم إیران خلال الفترة 632 ـ 651 م.
و فی العصر الإسلامی و خلال الفترة 120 ـ 150 هـجری تعریب الکتب التی تتطرق إلى سیره ملوک إیران و الأبطال الإیرانیین علی ید معربین إیرانیین، اشهرهم ابن المقفع الذی قتل عام 142 هـ. و قد ترجم ابن المقفع سیرة ملوک إیران فی کتاب عرف بـ «سیر الملوک»، و فقدت هذه الترجمة فیما بعد کما هو حال الأصل الفارسی للکتاب(6).
و أول کتاب فی «سیر الملوک» نمتلک حوله معلومات واضحة هو شاهنامه أبی المؤید البلخی الکاتب و الشاعر المعروف فی مطلع القرن الهجری الرابع. و هو نفسه الذی نظم لأول مره قصة «یوسف و زلیخا» بالفارسیة، و نفسه الذی ألّف کتاباً ذکر فیه عجائب البر و البحر. و عرفت هذه الشاهنامه بشاهنامه المؤیدی. لکنها فقدت بعد القرن الهجری السادس. و الشاهنامه الأخرى التی ذکرتها الکتب هی تلک التی ألفها الشاعر أبوعلی محمد بن أحمد البلخی.
و فی مطلع القرن الهجری الرابع کان هناک شاعر فارسی یدعى المسعودی المروزی، قام بنظم شاهنامه وصفها طاهر المقدسی مؤلف «البدء و التاریخ» بأنها کانت تحظى بتقدیر الإیرانیین، و أنهم کانوا یحفظون أبیاتها. و لم یصل إلى أیدینا منها سوی 4 أبیات من بحر الهزج المسدس(7).
غیر أن أهم الشاهنامات هی تلک الشاهنامه المعروفه بشاهنامه ابی منصوری و التی الفت فی منتصف القرن الهجری الرابع بأمر من أبی منصور محمد بن عبد الرزاق قائد الجند فی خراسان.
و بعد فترة من کتابة هذه الشاهنامه، ترجم کتابان إلى الفارسیة هما تفسیر الطبری و تاریخ الطبری حیث ورد فیهما شیء من التاریخ الإیرانی القدیم. و قد عرف تاریخ الطبری فیما بعد بتاریخ البلعمی نظراً لترجمته من قبل ابی علی البلعمی الوزیر السامانی. و هناک تفاوت کبیر بین شاهنامه «ابی منصوری» و تاریخ الطبری یتمثل فی أن تاریخ الطبری عبارة عن تاریخ کافة الأقوام و الأمم فی عالم ما قبل الإسلام، بینما شاهنامه ابی منصوری قد اختص بتاریخ ملوک إیران فقط.
و فی حوالی 360 هـ کانت شاهنامه ابی منصوری و تاریخ البلعمی معروفین فی أوساط الناس. فانبرى شاعر من شعراء البلاط السامانی متخلصّ بـ»الدقیقی» لنظم الشاهنامه المذکورة لتخلید التاریخ الإیرانی القدیم. لکنه لم یکد ینهی 990 بیتاً حتى قتل على ید غلام له عام 368 هـ و هو فی عنفوان الشباب(8). فانبرى شاعرنا الفردوسی لإکمال ما لم یستطع الدقیقی إکماله.
قیمة الشاهنامة :
شاهنامة الفردوسی إحدى روائع الأدب و الفن فی العالم، و دیوان من الملاحم و القصص و الفنون الأدبیة و الفلسفیة و الحکمیة نظمت بحیث أصبحت تاریخاً لشعب متمدن قدیم، و صوّرت مختلف جوانب حیاته عبر العصور القدیمة: أهدافه، آماله، انتصاراته، محنه، أخلاقه، عاداته، تقالیده، عقائده؛ مسجلة کافة الملاحم الإیرانیة القدیمة بأجمل نظم و أروع عبارة(9).
لقد جمع الفردوسی فی 60 ألف بیت أهم الأساطیر الإیرانیة القدیمة و عرضها عبر تحلیه الخلاق بأسلوب رائع و إطار مدهش و إیقاع أخاذ، حتى أصبح هذا العمل الأدبی الکبیر مصدر الهام لعدد کبیر من الشعراء و المفکرین عبر العصور.
و شاهنامة الفردوسی لا تعد أکبر و أغنی دیوان شعری وصل إلینا من العهد السامانی فحسب، بل هی فی الواقع أهم وثیقة تتحدث عن عظمه اللغة الفارسیة، و أکبر شاهد على ازدهار الحضارة الإیرانیة القدیمة(10).
لقد قال المستشرق الإنجلیزی کوویل (cowell) فی الشاهنامة: «ذکر اغوست إمبراطور روما أنه عندما استلم روما کانت کلها من الآجر، و عندما سلّمها کانت من المرمر. الفردوسی کذلک وجد بلده تقریباً بدون أدب فسلّم إلیه الشاهنامة التی لم یستطع الأدباء من بعده سوى تقلیدها، دون أن یتفوق أحد علیها. إنها ملحمة بإمکانها أن تنافس کل أثر، و لا نظیر فی آسیا بأسرها مثلما هو حال ملاحم هو میرس فی أوروبا(11). أما رضا قلی خان هدایت فیقول فیها: إنها رسالة عظیمة و بحر زاخر باللآلئ، و یندر أن نجد کتاباً منظوماً بهذا الأسلوب و الاتساق، و لیس لشعراء العجم کتاب کشاهنامة الفردوسی و مثنوی المولوی(12).
أما ابن الأثیر فیقول بأنّ التطویل یضع الشعر العربی و یفقد هذا الشعر حلاوته إذا ما نظم مائتا أو ثلاثمائة بیت فی موضوع واحد، على العکس من الکتابة. غیر أنّ العجم یتفوقون على العرب فی أنّ بإمکان شاعرهم أن ینظم کتاباً کاملاً دون أن یفقد شعره بلاغته و فصاحته، بالضبط کما فعل الفردوسی فی الشاهنامة … فهی تتألف من 60 ألف بیت، و رغم هذا فقد أجمع فصحاء العجم أن لیس فی کلامهم ما هو أفصح منها(13).
هذا فیما یقول البروفسور رستم علیوف: «الشاهنامة موسوعة تتحدث عن ثقافة الشعب الإیرانی و علمه و فنه و تاریخه القدیم، و نحن بحاجه إلى سنوات مدیدة من البحث و الدراسة حتى یمکن فهم و إدراک عمق الکتاب الکبیر»(14).
و الشاهنامة فضلاً عن أنها أفضل نموذج و أسمی عینة للفصاحة الأدبیة الشعریة، تعد أیضا إماما فی النظم و النثر الفارسی. فهی باختصار کتاب أدبی حافل بالملاحم الوطنیة و فنون الفصاحة و البلاغة و کنز من المفردات الفارسیة(15).
و أسلوب بیان الفردوسی فی الشاهنامة بسیط و واضح و موجز و بعید عن التزویق اللفظی و الحشو الزائد الممل. و قد وصل إیجازه فیها إلى حد الإعجاز. و ظهرت القصص فی الشاهنامة ـ و التی کانت منثورة فی الأصل ـ فی أدق صوره و أجمل بیان کما حافظت على سلامتها التاریخیة و لم یزد علیها أو ینقص منها، و هذا ما یعبر عن أمانة الفردوسی و نزاهته، فضلاً عن عبقریته فی الحفاظ على روح النص و جمال الشعر. و لعل الذی حافظ على شاهنامة الفردوسی من الانقراض و الضیاع ـ کباقی الشاهنامات ـ هو قوة بیانها و جزالة عبارتها(16).
و الشاهنامة لیست کتاب قصة و تاریخ و أدب فحسب، بل نراها تطرق أیضا أبواب الفلسفة، و الأخلاق و الحکمة، و العقائد و غیرها. کما أنها لم تقف عند موضوع معین، و لم تتقید بتصویر جانب واحد من جوانب الحیاة. فهی تصور لنا و بأجمل ریشة و أروع کلمة الرسوم و الآداب الفارسیة القدیمة کالزواج و الوفاة، و الاحتفالات، و مآدب الضیافة، و آداب المعاشرة، و آداب السفارة، و مراسم الصید، و التدبیر و الحلیة فی الحرب، و معاملة الأسرى، و طریقة استخدام الأسلحة، و أسلوب کتابة الرسائل، و علاقات الشعوب القدیمة ببعضها، و غیرها من الأمور التی لا یتسع لها المجال(17).
و لم تترک الشاهنامة تأثیرها على الأدب الفارسى فحسب، بل نفذت إلى الأدب العالمی أیضا و ترکت بصماتها علیه. و قد ترجمت إلى اللغة العربیة فی مطلع القرن الهجری السابع (620 ـ 626 م) من قبل الفتح بن علی البنداری. و منذ القرن 18 م ترجمت إلى مختلف اللغات العالمیة کالإنجلیزیة و الفرنسیة و الألمانیة و الروسیة و الإیطالیة و الهنغاریة و الدانمرکیة و الترکیة و الأرمینیة و الجورجیة.
و قد تأثر بالشاهنامة الشاعر الألمانی هنری هافیه و الشاعر الفرنسی فیکتور هیجو. و قام الشاعر و الکاتب الفرنسی لامارتین (1790 ـ 1869 م) بشرح قصة رستم، إحدى قصص الشاهنامة، فیما أثنى الشاعر الألمانی غوته علیها.
الفردوسی و السلطان محمود الغزنوی :
بدأ الفردوسی بنظم الشاهنامة بعد سنتین من وفاة الشاعر الدقیقی، الذی لم یسعفه الحظ فی إکمال شاهنامته، و ذلک فی عام 370 هـ اعتماداً على شاهنامة أبی منصوری و ما تناقلته أفواه الناس(18). و أمضی 30 عاماً فی نظمها. و کان السلطان آنذاک سیف الدولة محمود سبکتکین الغزنوی الذی أنهى فی عام 389 هـ حکم السلالة السامانیة الذی دام 110 سنوات. و قد اقترح الوزیر الإیرانی أبو العباس الفضل بن أحمد الإسفراینی وزیر السلطان محمود على الفردوسی أن یسمیّ کتابه باسم السلطان. و فعل الفردوسی ذلک و حمل الشاهنامة إلى البلاط الغزنوی فی 401 أو 402 هـ. لکن الحظ لم یحالفه، فقد سجن هذا الوزیر ثم قتل بعد فترة و جیزة و تولى الوزارة الحسن المیمندی الذی کان لا یتعاطف مع اللغة الفارسیة(19).
و قال البعض کالأستاذ المینوی أن الفردوسی قد بعث بنسخة من الشاهنامة فی 12 مجلداً إلى السلطان محمود فی غزنین، و لم یذهب بنفسه إلیه. و هذا الأمر بعید للغایة لعدم وجود مصدر یؤکد ذلک، ثم کیف للفردوسی أن یثبت کتاباً بهذه الأهمیة إلى سلطان عظیم و مغرور أوصله شعراء البلاط إلى مقام الربوبیة دون أن یذهب معه و لو من باب نیل الصلة و الجائزة(20).
و ورد فی «تاریخ سیستان» لمؤلف مجهول أن الفردوسی قد قرأ الشاهنامة على السلطان محمود لعدة أیام. و عندما فرغ منها قال له السلطان: لیس فیها شیء سوى حدیث رستم. و فی جیشی ألف رجل کرستم! فقال له الفردوسی: أطال الله عمر السلطان، أنا لا أدری کم فی جیشک مثل رستم، لکنی أدری أن الله تعالى لم یخلق عبداً له کرستم. فقال السلطان لوزیره: إن هذا الصعلوک قد رمانی بالکذب(21).
و یقال إنه حصل على جائزة بسیطة لا تتناسب مع عظمة الشاهنامة فقسمها بین حمامی و فقاعی، الأمر الذی أغضب السلطان فقرر قتله. فلجأ الفردوسی إلى هرات مختفیاً فیها ستة أشهر فی حانوت إسماعیل الوّراق. ثم سافر من هناک إلى طوی فأخذ منها نسخة أخرى من الشاهنامة و قصد طبرستان حیث أضاف إلیها مائة بیت فی هجاء السلطان محمود. و یذکر النظامی العروضی أن تلک الأبیات قد فقدت فیما بعد، و لم یبق منها سوی 6 أبیات(22).
و یعتقد المستشرق الشهیر «نولد» أن ذلک الهجاء لم ینشر فی حیاه الفردوسی و لم یصل إلى مسامع السلطان محمود، و إلاّ لما سلم الفردوسی من سطوته(23).
و ینفی الدکتور محمد أمین الریاحی ما تصوره البعض من أن الفردوسی قد نظم الشاهنامة بناءً على طلب من السلطان محمود. و یعزو ذلک التصور إلى تکرار اسم «محمود» فی الشاهنامة، و یؤکد أنه قد ثبت الیوم أن الفردوسی هو الذی فکر فی نظم الشاهنامة و بحث عن المصادر، و أن أبناء جلدته هم الذین شجعوه على ذلک.
و لکن لماذا تکرر اسم محمود 15 مره؟
یجیب الدکتور الریاحی بانّ اسم السلطان محمود لم یکن موجوداً فی التدوین الأول للشاهنامة. و قد أضافه الفردوسی فی التدوین الثانی بعد أن استقر رأیه علی إهدائها للسلطان. و کان الهدف من إهدائها إلیه أن یحظى هذا الکتاب بالانتشار الواسع بدعم من سلطان قدیر کمحمود. غیر أنه و على العکس من توقعات الفردوسی لم یلق أی اهتمام منه(24).
و هناک عدة أسباب ذکرها المؤرخون لعدم اهتمام السلطان محمود بالشاهنامة منها شیعیة الفردوسی أو معتزلیته، و مدحه للأبطال الإیرانیین القدماء، و سعی الحاشیة لدى السلطان و غیرها.
و لا یعتقد الدکتور الریاحی و آخرون أن سبب عدم اهتمام السلطان محمود بالشاهنامة یعود لکون الفردوسی شیعیاً و السلطان سنیاً، ذلک لأنه قد زوّج إحدى بناته من منوجهر بن قابوس أحد أمراء آل زیار الشیعیة. کما أنه کان یرسل الصلات إلى الغضائری الرازی من غزنة إلى الری، و الغضائری شاعر شیعی. لهذا لا یعد تشیّع الفردوسی و تعصب محمود للتسنن سبباً فی ذلک الإجحاف(27).
ملخص الشاهنامه :
الشخصیات التی قدمها الفردوسی فی الشاهنامه، جمیعها شخصیات تتمیز بالشجاعه و الخلق الرفیع و الغیره و الحمیه و حب الوطن. و اغلب تلک الشخصیات هی ملوک و اباطره و قاده حربیون. و هناک رأی یقول بأنه لیس هناک دلیل تاریخی یؤکد وجود تلک الشخصیات مستعینین باشارات الفردوسی الی ذلک فی بعض الابیات مثل قوله: فسانه کهن بود و منثور بود (ای انها کانت اسطوره نثریه)(28).
و حاول بعض المتأخرین تطبیق الاحداث الوارده فی الشاهنامه مع الوقائع التاریخیه ذات الصله بالدوره الهخامنشیه، و لهذا اعتبر اسماء اباطره الشاهنامه اسماء للاباطره الهخامنشیین. لکن البعض الآخر یری انّ جمشید و فریدون و کاووس و غیرهم انما کانوا شخصیات اسطوریه مشترکه بین ایران و الهند، و لیس لها ای وجود حقیقی(29).
و حول شخصیات الشاهنامه ایضاً یتساءل الباحث مجتبی المینوی: هل ان هذه الشخصیات آلهه ام نصف آلهه؟ ثم یمضی قائلاً: و لکن عندما نطابق قصصها مع میثودولوجیا الاساطیر الهندیه نفهم ان جمشید و فریدون و کاووس و کیخسرو و لیسوا الا آلهه و نصف آلهه ظهروا فی الشاهنامه علی شکل شخصیات بشریه(30).
و تضم الشاهنامه اربع اساطیر طویله حافله بالمأساه و الالم او ما یعبر عنها الیوم بالتراجیدیا: ایرج، رستم و سهراب، رستم و اسفندیار، سیاوش. و القصص الاخری یمکن ان یعبّر عنها بالدراما مثل: فریدون و الضحاک، زال و رودابه، بیجن و منیجه.
و نجد هنا من الاهمیه بمکان ان نقدم للقاریء الکریم ملخصاً للشاهنامه لکی تکون لدیه فکره عامه عن هذا الاثر العالمی الکبیر.
طبقاً للشاهنامه فقد خلق الله تعالی اول ما خلق رجلاً و امرأه هما مشیه و مشیانه. ثم ولد بعد عده اجیال اول امبراطور فی العالم و یدعی «کیومرث».
و تتحدث الشاهنامه عن شخص یدعی «جمشید» کان یدعو الناس الی الله …. فقبض علیه سلطان جائر یدعی الضحاک فقتله. و قبّل ابلیس کتفی هذا السلطان فظهر علی کتفیه ثعبانان کان غذاؤهما ادمغه الناس. فراح السلطان یقتل فی کل یوم شخصین لیتغذی الثعبانان علی دماغیهما. فکان من ضمن من قتل رجل یدعی «اثبین» و هو من سلاله الملوک، مما دفع بزوجته و ولده «فریدون» الی الهرب خوفاً من سطوته و الاحتماء بجبل «البرز». و کان هناک رجل حداد یدعی کاوه له ثمانیه عشر ولداً قتل الضحاک 17 منهم، فتمرد ضد السلطان و دعا الناس الی الثوره علیه، فانضم الیه خلق کثیر و اتجهوا نحو جبل البرز و أمّروا فریدون علیهم .. و تمکن فریدون من الاطاحه بالضحاک و تقلد زمام الامور بدلاً منه.
و قسّم فریدون سلطانه فی اواخر عهده بین اولاده الثلاثه. فکانت ایران ـ و هی القسم الاعظم و الافضل ـ من نصیب ولده الاصغر «ایرج» الامر الذی اثار اخویه «سلم» و «تورا» ضدّه فقتلاه.
و کانت زوجه ایرج حبلی، فجاءت ببنت کبرت و تزوجت فولدت ولداً سمّاه «منوجهر» فرباه فریدون لکی یثأر لولده «ایرج» و فعلاً فقد قتل سلم و تورا علی یدیه. و حدثت اثر ذلک حروب دامیه بین ایران و توران.
و ولد لـ«غرشاسب» او «سام» الذی کان بطل العالم فی عهد «منوجهر» ولد یدعی «دستان»، و قد سمی بـ«زال» ایضاً لانه قد ولد ابیض الشعر. و تزوج دستان من فتاه من سلاله الضحاک تدعی «رودابه» فولدت «رستم».
و کان هناک امبراطور معاصر لرستم من الاسره الکیانیه یدعی «کیکاوس» و قد اسر الامبراطور مره فی مازندران، فذهب رستم الی هناک و انقذه من الاسر فی ملحمه قتالیه رائعه. و اسر قانیه عند سفره الی بربرستان و هاماوران، فانطلق الیه رستم و أنقذه، و تزوج کیکاوس من «سودابه» ابنه سلطان هاماوران و جاء بها الی ایران.
و فی هذه الفتره ایضاً جرت وقائع قصه سهراب: فقد تزوج رستم فی منطقه «سمنجان» من فتاه تدعی «تهمینه» ابنه الامبراطور، لکنه امضی معها لیله واحده و عاد الی ایران. و ولدت ولداً اسمته «سهراب» و قد تحول بمرور الزمن الی بطل شدید المراس، و اصبح قائداً للجند لدی «افراسیاب» امبراطور توران. و بعث به هذا الامبراطور علی رأس جیش الی ایران. و تقابل الاب «رستم» و الابن «سهراب» فی مبارزه عجیبه دون ان یعرف ای منهما الآخر، رغم ان سهراب کان یعلم ان له اباً یدعی رستم، و قتل الوالد ابنه فی نهایه المطاف فکانت صدمه عنیفه للاب عندما علم انه قد قتل ابنه. کما انه غضب لانّ الامبراطور کیکاوس لم یخبره بأن «سهراب» ولده رغم علمه بذلک مما دفعه الی ترک ایران و امبراطورها و التوجه الی سیستان.
و کان لکیکاوس ولد جمیل جداً یدعی «سیاوش» وقعت زوجه ابیه «سودابه» فی مراغه، فطلبت منه الوصال فامتنه، فاتهمته لدی الامبراطور، فأقسم سیاوش انه بریء من کل تهمه فصدیقه ابوه. لکنه قرر ان یترک ایران، فسافر الی توران و أقام هناک، و تزوج من «فرنجیس» ابنه الملک «افراسیاب». لکن هذا الملک قام بقتل سیاوش فیما بعد. و خلّف سیاوش ولدین هما «افرود» الذی قتل هو الآخر و «کیخسرو» الذی عاد الی ایران و اصبح امبراطور علیها، و نشبت فی عهده حروب مع اقلیم توران قتل فیها «افراسیاب».
و اعتزل «کیخسرو» الملک بعد فتره، و اصبح «لهراسب» و من ثم «غشتاسب» ملکین علی ایران. و فی هذه الفتره ظهر «زرادشت» و آمن به «غشتاسب» و «اسفندیار» البهلوان. و زحف اسفندیار الی سیستان لمقاتله رستم و القاء القبض علیه، لکنه قتل علی ید رستم.
و بهزیمه داراب الثالث امام الاسکندر ینتهی عهد الاسره الکیانیه. و یبدأ بعد عهد الاسکندر و خلفائه عهد جدید فی حیاه ایران هو عهد الامبراطوریه الاشکانیه. غیر انّ الشاهنامه اکتفت بعدد من الابیات و عدد من اسماء الملوک الاشکانیین. و ربما تعمد الملوک الساسانیون فحذفوا التاریخ الاشکانی(31).
و تختص الشاهنامه بعد ذلک ـ ای بدءاً بـ«اردشیر بابکان» و حتی نهایتا ـ بتاریخ الاسره الساسانیه. و رغم ان هذا الجزء یضم اساطیر و قصص حب و غرام و بطوله، الا انه یحفل ایضاً بالوعظ و النصیحه و الحکمه و الوصایا الاخلاقیه.
الشیخ سعدی الشیرازی (أحمد بن خالد البدلی)
لقد کانت شیراز موطن الشیخ سعدی من أوائل المدن الایرانیة التی زرتها وشاهدت معالمها التاریخیة ومراکزها الثقافیة وشیراز تعنی فی ذاکرة من یقدر له زیارتها مدینة الجمال ودنیا النشوة والوجد، وحاضرة العلم والثقافة والرقة والظرف الایرانی, مدینة البلابل والورود, وغابات اشجار السرو المرفوعة الرأس فی خیلاء وشمم.
شیراز فی وجدان الفرس مثل اثینا فی وجدان الیونانیین وباریس فی عیون الفرنسیین، فرح ونشوة وغرور, وکی یفهم الانسان سر جمال وسحر شیراز لا بد أن یعرج على دیوان الشیراز بین سعدی وحافظ فهما روح شیراز وابرز معالمها واشهر شعرائها, ان شیراز بایجاز شدید مرکز التقالید الفکریة الرفیعة فی ایران.
الفردوسی وسعدی وحافظ هم اثافی الادب فی ایران، لا یخطر الادب الفارسی الاسلامی الحدیث بذهن باحث الا ارتسمت هذه الاعلام الثلاثة فی مخیلته فهم صفوة وخلاصة الفکر فی سماء ایران.
لقد کنت احرص على قضاء ایام الربیع خلال تحصیلی العلمی فی ایران فی مدینة شیراز، حیث یستمتع الانسان بکل زخارف وجمال وتهاویل الربیع فما الربیع سوى البلابل والازاهیر والورود, وشیراز فی ایران هی ارض البلابل والورد.
من هو الشیخ سعدی الشیرازی؟
هو مشرف بن مصلح ولد فی أوائل القرن السابع الهجری (الثالث عشر میلادی) فی مدینة شیراز، وهو ینتمی الى عائلة اشتهرت بالعلم والفضل.
وفی شبابه الباکر سافر الى بغداد لتلقی العلم حیث التحق بالمدرسة النظامیة الشهیرة، احدى المدارس التی بناها الوزیر السلجوقی المعروف خواجة نظام الملک, وکانت المدارس النظامیة موقوفة على اصحاب المذهب الشافعی فقط.
ولما فرغ سعدی من التحصیل فی نظامیة بغداد قام برحلات متعددة الى کثیر من البلاد الاسلامیة، فزار الشام والحجاز ومصر, وعاد الى مسقط رأسه شیراز فی عهد الاتابک سلغری ابی بکر بن سعد بن زنکی ، وانخرط فی خدمة الاتابکة، وانتسب الى سعد بن ابی بکر فعرف بالسعدی منذ ذلک الوقت, وقد ظل سعدی ملء السمع والبصر فی ایران وخارج ایران الى ان توفی عام 694ه الموافق (1294م) فی رباط کان بناه فی شیراز ومازال قبره قائما هناک الى الیوم.
لقد کان الشیخ سعدی غزیر الانتاج العلمی، ولقد ساهم بنصیب وافر فی کل العلوم المعروفة فی عصره, واهم کتابین بقیا لسعدی هما معلمتاه الشهیرتان الکلستان (النثری) والبوستان (الشعری).
لقد ظل کتاب کلستان (ومعناه حدیقة الورود) لاکثر من ثمانمائة عام کتابا تربویا واخلاقیا، وهو من عیون الشوامخ النثریة فی الادب الفارسی، ظل طول قرون عدیدة کتاب التدریس والتذوق فی الادب الفارسی فی اغلب المدارس الاسلامیة لیس فی داخل ایران فحسب بل فی کثیر من البلدان الاسلامیة مثل الهند وترکیا وبعض البلاد الاسلامیة التی کانت تدور فی فلک الامبراطوریة العثمانیة وحین سقطت الهند فی ید الاستعمار البریطانی لم یجد الإنجلیز وسیلة لدراسة النفسیة الهندیة المسلمة خیرا من دراسة الافکار المثبوتة فی الفکر الفارسی الذی کان یدرسه المسلمون فی الهند خاصة کتاب کلستان للشیخ سعدی.
ولقد ترجم کلستان الى اللاتینیة عام 1651م واشاد به المفکر الفرنسی الشهیر (فولتیر) وعدة من الکتب الرائدة فی الفکر الانسانی، کما قابل المفکرون الالمان وعلى رأسهم (جوته) هذا الکتاب بکثیر من التقدیر والاحترام.
اما الکتاب الثانی للشیخ سعدی فهو البوستان (الحدیقة) فقد لقی هو الآخر اهتماما واسعا لدى المهتمین بالدراسات الشرقیة عامة والفارسیة خاصة.
لقد ضم البوستان بین دفتیه ادفأ العواطف الانسانیة بأستاذیة عالیة نادرة لاتتوفر فی تاریخ الفکر البشری الا لعباقرة الشعراء.
ان البوستان یشتمل على اکثر من اربعة آلاف بیت من الشعر الفارسی الرائع المصفى، انه رائعة سعدی التی قل ان یدانیها فی الروعة ایة منظومة شعریة فی الادب الفارسی.
البوستان اسم على مسمى ففیه کل ما یطمع فیه المرء من ابواب الفکر البشری مصاغة بشکل اخاذ ولولا ایمانی بمدى عقم الترجمة فی نقل الاحاسیس کما یریدها الفنان المبدع لجئت بنماذج من ابداع سعدی ولکن هیهات فقد قال الجاحظ فی معلمته (الحیوان) والشعر لا یستطاع ان یترجم ، ولا یجوز علیه النقل ومتى حول تقطع نظمه وبطل وزنه، وذهب حسنه، وسقط موضع التعجب منه .
هذا غیض من فیض عن بلبل شیراز فإلى ورقة فارسیة اخرى, والسلام.
(2) الفردوسی رائد الملحمة الفارسیة
جاء حین من الدهر کان الباحثون فی تاریخ الأدب العربی یشعرون بشیء من الخجل المشوب بشیء من الحرج لخلو الشعر العربی من الملاحم، وکیف یکون للیونان ملاحم کالألیاذة والأودیسة ویکون للروم ملاحمهم، وللهنود المهاباراتا ولا یوجد للعرب شیء یوازی هذه الشوامخ فی الآداب الأخرى؟ ولکن لو عد الباحثون الأدب العربی أدبا واسعا متعدد الفروع ممتد الأجنحة لوضعوا أیدیهم على ملحمة الفردوسی العظیمة التی تضارع ان لم تتفوق على بعض الملاحم الأخرى.
نعم لقد صیغت ملحمة الفردوسی باللغة الفارسیة، ولکن الجو الثقافی العربی والاسلامی کان یلوح فی ثنایاها، فلقد کانت اللغة العربیة فی ایران ذات نفوذ عظیم جبار لا یستطیع الافلات من نطاقها الساحر أحد, وکانت العربیة لغة رسمیة فی بلاط السامانین الذین نشأ الفردوسی فی احضانهم فکان المثقف الفارسی یومذاک مطلوبا منه الالمام التام بالثقافة العربیة الاسلامیة الى جانب الفارسیة الحدیثة التی کانت ولیدة تخطو أولى خطواتها فی عالم البیان والابداع فی ایران.
صحیح ان الفردوسی قد أنشد هذه الشاهنامة لیتغنى بأمجاد قومه الفرس فی المقام الأول، وهذه رسالة جمیع الملاحم عند کل الأمم, ولکن الفردوسی أشاد بدور الاسلام فی اخراج ایران من الظلمات الى النور، ومن هذا المنطلق یمکن اعتبار الشاهنامة ملحمة اسلامیة بوجه من الوجوه.
ان ما یزعمه بعض الدارسین من خلو الشاهنامة من الالفاظ العربیة بشکل مقصود ومتعمد زعم لا یؤیده الواقع والدراسة المتأنیة لابداع الفردوسی الشعری, لأن القاموس العربی متجذر فی اللغة الفارسیة بحیث تعد أیة محاولة لتخلص منه نوعا من العبث کان الفردوسی أول من یعرف مدى تلک العبثیة.
کنت والصدیق العزیز المرحوم محمد صدیق العوض خلال دراستنا فی ایران نقضی اجمل الاماسی فی مقاهی طهران الشعبیة فی میدان الأمیرة فوزیة فی طهران، وکان أمتع ما فی تلک الجولات هو الجلوس فی المقاهی الشعبیة والاجتماع الى الرواة الشعبیین النقالین الذین کانوا یقرءون أشعار الشاهنامة بشکل تمثیلی بارع یصاحبه العزف على الآلات الموسیقیة التی تصور اجواء البطولة والأبطال, فیا لها من أماکن ملأى بالحماس والمتعة فمن هذا الفردوسی وما قصة الشاهنامة؟
کان الفردوسی وما زال یحتل مکانا شامخا فی نفوس الفرس لایدانیه أی مبدع آخر فی تاریخ الفکر الایرانی، فالشاهنامة ومبدعها یعتبران خزانا من الابداع لا ینصب الهم وما زال یلهم الفرس الوانا من الفن لا نهایة لها.
یقول العروض السمرقندی فی کتابه المقالات الاربع جهار مقاله : کان الاستاذ ابو القاسم الفردوسی من دهاقین طوس من قریة یقال لها باز وهی قریة کبیرة من نواحی طبران، وکان للفردوسی فی القریة جاه عظیم ومکانة مرموقة، وکان یعیش من دخل ضیاعه الکثیرة, وکانت له بنت وحیدة وکان مشتغلا بنظم الشاهنامة، راجیا ان یحصل على مکافأة مجزیة من عمله الشعری هذا یجعله ذخرا لابنته الوحیدة, فقضى ثلاثین عاما فی نظم الشاهنامة حتى أتمها واکملها, ودفع بالکلام فیها الى أعلى علیین,, وجعلها فی العذوبة کالماء المعنى,, ولا اعرف عند العجم کلاما بهذه العذوبة والبلاغة والفصاحة، ولا أظن ان فی اللغة العربیة ما یضاهی بلاغة الشاهنامة.
وقد ذاعت هذه الملحمة الفارسیة الکبیرة فی مختلف انحاء العالم الاسلامی شرقا وغربا، وترجمت الى کثیر من اللغات الاسلامیة کالعربیة والترکیة واهتم بها الدارسون کثیرا, ولعل اهم الترجمات العربیة للشاهنامة هی ترجمة البغدادی التی قام المرحوم الدکتور عبدالوهاب عزام أحد أهم الرواد فی الدراسات الشرقیة بدراستها دراسة علمیة قیمة واذاعتها بین المهتمین بالدراسات الشرقیة.
وقیمة الشاهنامة العلمیة الحقیقیة تکمن فی انها جمعت التاریخ الفارسی المبعثر فی ملحمة تاریخیة واحدة.
کان التاریخ الایرانی مبعثرا فی بطون الوثائق المتعددة التی تتحدث عن سیر ملوک الفرس، وقد کتب ذلک التاریخ باللغات الفارسیة القدیمة والوسیطة واللغة العربیة أیضا وخاصة تاریخ الطبری الذی قام العلماء الفرس بترجمته الى اللغة الفارسیة الحدیثة.
جمع الفردوسی هذا الرکام المبعثر ونظم شاهنامته العتیدة, وکان الفردوسی حائزا لجمیع الشروط اللازمة لشاعر ملحمی عظیم, فقد کان واسع الدرایة بتاریخ ایران القدیم والمعاصر له, وصاحب قدرة خارقة على اختیار اللغة والتراکیب الحماسیة وخلق الأجواء البطولیة، ووصف المناظر الحماسیة المختلفة، وابراز شخصیات ابطاله وتصویرهم تصویرا فنیا أخاذا رائعا لا یدانیه فیه السابقون الذین حاولوا ذلک ولایقدر على شق غباره اللاحقون الذین حاولوا مجاراته.
ذلکم هو ابو القاسم الفردوسی رائد الحماسة فی الأدب الفارسی.
یقول ابو القاسم:
بنیت من الشعر صرحا أغر
یمل الریاح ویعی المطر
(3) صادق هدایت (رائد القصة الحدیثة فی إیران)
بدون اتقان اللغة الفارسیة التی کتبت بها کل أعمال هدایت لا یستطیع القارىء الجاد الوقوف على الجهد العظیم الذی بذله هدایت حتى تبوأ مرکز الریادة فی القصة الفارسیة الحدیثة.
واللغة الثانیة التی عرفت العالم بنشاط صادق هدایت الابداعی هی اللغة الفرنسیة التی کان صادق یعتبرها العین الثالثة والنافذة الکبرى التی طل منها على الابداع العالمی، ولصادق هدایت بعض الروایات البدیعة التی کتبها باللغة الفرنسیة التی کان یجیدها قراءة وکتابة وتحدثا اجادة شهد له بها اساطین الاستشراق الفرنسی انفسهم وعلى رأسهم المستشرق الفرنسی العملاق وأحد رواد الدراسات الشرقیة (هانری ماسه).
وانی لأرجو ان تقوم جمعیة للصداقة العربیة الایرانیة تحتضن الهموم الثقافیة المشترکة بین الثقافتین الاسلامیة العربیة والفارسیة وسنجد عندئذ أن ثمة قضایا مشترکة فی الثقافة الاسلامیة موزعة بین اللغتین الجارتین العربیة والفارسیة وهی قضایا جدیرة بالاهتمام والبحث والدرس والوقفات المتأنیة.
ولا یستطیع ای باحث منصف عند الحدیث عن فجر القصة الحدیثة فی الأدب الایرانی الحدیث ان یهمل دور الرائد الأول والفاتح لأعین الفرس على الادب الغربی، واعنی به الکاتب الایرانی المرموق جمال زاده صاحب کتاب (یکی بود یکی نبود) ومعناها (کان یا ما کان)، فقد فتح السید جمال زاده باب القصة الحدیثة فی ایران فی وجه أدباء ایران.
ولکن قصص صادق هدایت التی تبلغ حوالی اربعین قصة هی التی لفتت أنظار العالم الخارجی وخصوصا فرنسا الى ما کان یجری فی ایران من حرکة أدبیة عارمة فوارة فی عشرینیات القرن العشرین.
ولصادق هدایت روایة طویلة بعنوان (البومة العمیاء) قام کاتب هذه السطور بترجمتها الى اللغة العربیة عندما کنت طالبا فی جامعة طهران (سأخصها بورقة خاصة).
ومن بین روایاته المتعددة ربما کانت أربع منها من أعظم ترکة هذاالمبدع الایرانی على الاقل هذا ما أحسه شخصیا، وربما خالفنی الاخرون فالاذواق تختلف وتلک القصص هی: زندة بکور (میت الاحیاء) سه قطره خون (ثلاث قطرات من الدم) وسایه روشن (الظل الظلیل),, وسکک ولکرد (الکلب الضال) ومن المؤسف کما قلت فی أول هذه الورقة انه لیس من السهل تلخیص هذه القصص الرائعة, لان التلخیص کالترجمة تذهب بجمال الاثر الفنی وتمسخه, کما ان غیر العارفین باللغة الفارسیة لا یستطعیون (وهذا طبیعی) تذوق هذه القصص بسبب الحاجز اللغوی.
وللذین یودون من القراء الکرام الوقوف على بعض بدائع هدایت فی اللغتین الانجلیزیة والفرنسیة أشیر الى بعض الترجمات بتلک اللغتین.
لقد قام السید (روجیه لیسکو) الفرنسی بترجمة معلمه صادق هدایت (البومة العمیاء) الى اللغة الفرنسیة, کما قام السید (جیلیز لازار) بترجمة (حاجی افا) الى الفرنسیة، هذا فی فرنسا, اما فی ایران نفسها فان السیدین (شاهین سرکیبان) و(بروخیم) قاما بترجمة قصتی (غد) والابتسامة الاخیرة من الفارسیة الى الفرنسیة.
اما اللغة الانجلیزیة فقد ترجم الیها عملان من أعمال هدایت هما (داود الاحدب) وقصة (ورطة).
کما ترجمت بعض أعمال هدایت الى اللغة الارمنیة واللغة التشیکیة, یکاد نقاد الادب الفارسی المعاصر یجمعون على ان صادق هدایت هو رائد القصة الایرانیة المعاصرة دون مدافع, فلنستمع الى المرحوم الدکتور برویز خانلیری أحد نقاد الادب الحدیث فی ایران یقول: ان اسلوب هدایت فی القصة أبرز واشهر الاسالیب، ولا یوجد قاص ایرانی یرقى الى مرتبة هدایت أو یشق له غبار .
ویقول الدکتور احسان طبری: لم یظهر فی ایران الى الیوم روائی بحجم هدایت ولیس لدینا من یملک اسلوب هدایت الفذ والنادر الذی لا قرین له .
ولد هذا الفنان الایرانی فی طهران عام 1900 وانتحر فی باریس عام 1950 وکان فی الثامنة والاربعین یوم مات رحمة الله علیه.
(4) لغت نامه
لقد فرح العاملون فی حقل اللسانیات فرحا عظیما عندما قامت جامعة طهران بإیران بنشر الموسوعة اللسانیة المعروفة ب(لغت نامه) للعلّامة الایرانی السید علی اکبر دهخدا, فلقد طال انتظار تلک المعلمة اللسانیة الفارسیة.
وتعتبر موسوعة دهخدا اللغویة اهم عمل علمی اخرجته العبقریة الفارسیة فی فجر الألفیة الثالثة, فمنذ ظهور الشاهنامة للفردوس فی القرن الرابع الهجری العاشر المیلادی لم یعرف الحقل الثقافی الایرانی عملا علمیا ضخما فی حجم معجم (دهخدا) الذی طبعته جامعة طهران عام 1997م لقد طال الأخذ والرد حول مدى اهمیة هذا العمل الفذ زمنا طویلا فی اروقة مجلس الشورى الایرانی والصحافة والاوساط الثقافیة، فرحبت به جماعة من الباحثین واعتبرته دائرة معارف ایرانیة جدیرة بالثقة ولابد ان تلقى ویلقى صاحبها من الرعایة والاهتمام ما هما جدیران به.
وعارضت جماعة اخرى لاتخلو منها کل المجتمعات بین حاسد حقود وجاهل معاند إمعة لا رأی له، کثیر الفضول قلیل الفضل.
وصدق الله العظیم اذ یقول: (وأما ما ینفع الناس فیمکث فی الأرض).
لم تکن اللغة الفارسیة الاسلامیة الحدیثة منذ ظهورها فی القرن الثالث الهجری مهیأة لنمو الدراسات اللسانیة المتعمقة ککل لغة ولیدة, لذلک صرف علماء الفرس جهدهم وعنایتهم الى اللغة العربیة، فقد کانت اللغة العربیة الى جانب انها لغة الرسالة الاسلامیة الخالدة فقد کانت لغة العلم والادب والبحث والحیاة وکانت الأولى بالدراسة والعنایة والاهتمام.
اذا استعرضنا المحاولات الاولى لصناعة المعجم الفارسی فماذا نجدا؟
نجد ان اللغویین الفرس ابتداءً من الأسد الطوس فی لغت نامه الى ابی حفص السغدی وقطران الأرموی (الشاعر) قد جمعوا قدرا صالحا من المفردات الفارسیة الولیدة ودرسوها، واستشهدوا على اصالة فارسیتها بأشعار فارسیة کثیرة قیلت فی عصرهم, ولکن ظلت معاجمهم تمتاز بما تمتاز به الاعمال الرائدة دائما وفی کل الحقول أعنی عدم الیقین والحذر والتردد من جانب ، وعدم وجود الراعی والمشجع من جانب آخر واما المحاولات العجمیة التی جرت لخدمة اللغة الفارسیة خارج ایران، عندما اصبحت الهند وآسیا الصغرى (ترکیا) من المراکز الهامة للدراسات الفارسیة فانها محاولات لم تکن موفقة کثیرا فیما یتعلق بصناعة المعجم الفارسی فان تلک المراکز الاجنبیة قد افسدت اللغة الفارسیة عندما حاولت خدمتها.
فالمعاجم الفارسیة التی الفت فی الهند وترکیا وهی کثیرة جدا لیست فی رأی العلماء الفرس العاملین فی صناعة المعجم سوى مسخ غریب ومعجون عجیب من المفردات الفارسیة اللقیطة وبعض الکلمات الهندیة والترکیة التی لاتمت الى الفارسیة بصلة ولاقرابة، واستشهدوا علیها بشعر لمجاهیل من متکلمی اللغة الفارسیة لا یحتج بفارسیتهم.
وإحقاقا للحق فان المعجمین الهنود والاتراک لم یتعمدوا افساد المعجم الفارسی ولکنهم تناولوا عملا لم یکونوا مؤهلین له تماما فوقعوا فی کثیر من الأخطاء عن غیر قصد فلهم أجر المحاولة.
أمام کل هذه الاسباب التی ذکرناها وجد العلّامة علی اکبر دهخدا نفسه امام حتمیة ایجاد معجم فارسی حدیث جامع مانع.
کانت صناعة المعجم فی أوربا قد قطعت شوطا طویلا فی الدراسات اللسانیة، بلغت حداً عظیما من الدقة والصرامة والجدیة وکان العلّامة دهخدا من اشد المعجبین بالمنهج الفرنسی خاصة فی صناعة المعجم لاسیما معجم (لاروس) الشهیر, لذلک اتخذ دهخدا معجم لاروس إماما له حین فکر القیام بتألیف معلمته اللغویة (لغت نامه).
ان العاملین فی مراکز البحوث العلمیة وحدهم هم القادرون على ادراک الجهد العلمی الهائل الذی یبذله العلماء عادة خلال بحوثهم العلمیة ولا یوازی تلک المعاناة سوى لذة وصول الباحثین الى نتائج مرضیة.
لقد قضى العلامة دهخدا قرابة الاربعین عاما فی جمع وترتیب عمله الموسوعی هذا، فقد کان یسجل کل مفردة یلتقطها من افواه الناس مهما بدت عامیة وسوقیة مبتذلة ولقیطة لایعبأ بها احد, فاذا خلا بنفسه لیلا بدأ فی ترتیب تلک المفردات فی جذاذات جاوزت الملیون جذاذة.
لقد ساهم کثیر من المثقفین الایرانیین فی اخراج هذا العمل الموسوعی اللغوی الى حیز الوجود تحت اشراف العلّامة دهخدا منهم بعض الاساتذة الکبار من جامعة طهران، کان لکاتب هذه السطور شرف التتلمذ على ایدیهم، کمحمد معین وذبح الله صفا والدکتور حسین خطی الذی اشرف على جزء کبیر من رسالة کاتب هذه السطور للدکتوراه وکذلک الدکتور سید جعفر شهیدی رئیس مؤسسة لغة نامة الحالی, ان الحدیث عن هذه المعلمة اللغویة یطول ولا تتسع المساحات المتواضعة فی جریدة الجزیرة الحبیبة للإفاضة والإطالة.
ولکن ما لایدرک کله لا یترک جله.
(5) عبید زاکانی عمید الظرف الإیرانی
من المقاییس التی یقاس بها تقدم الأمم فی سلم الحضارة هی روح الفکاهة وتقدیر الملح والطرف والنوادر ووضعها فی مکان مرموق من شؤون حیاتها, فالیونان والرومان والهنود والفرس والعرب، وحضارات ما بین النهرین قدیماً والشعوب الأوروبیة والأمریکیة حدیثاً اهتموا بالروح المرحة والفکاهة، وأحلوا الطرائف والملح والضحک محلها الصحیح.
فلقد کان لأسلافنا العرب القدح المعلى فی ریادة الطرائف والملح والنوادر فقلما عرف عالم الظرف رجلا خفیف الروح کالجاحظ وأبی العنیاء وأبی دلامة وجحا فی فن الملح والطرائف.
والفکاهة هی التلاعب بالعلاقات المنطقیة بین أجزاء الکلام بحیث یتلقى العقل غیر ما کان یتوقعه فینفجر المرء ضاحکاً، ولست هنا بصدد دراسة فن الملح والطرائف، وانما سقت هذه المقدمة فی ورقة الیوم لأتحدث من خلال صاحبنا (عبید زاکانی) عن ضرورة الملح والفکاهة فی الحیاة البشریة.
فالمرح یجعل الحیاة أکثر احتمالاً ومتعة، ولا بد للمصدور أن ینفثا.
ولقد خص علماء الدراسات الاجتماعیة فی العصر الحدیث ظاهرة الضحک بدراسات عمیقة وعظیمة وشاملة، لما لها من دلالات نفسیة وجسمیة لا یستهان بها فی حیاة الافراد والأمم.
نظام الدین عبید زاکانی هو أحد ظرفاء بل إمام الظرفاء فی ایران، وکان شاعراً أدیباً وأحد رجالات دیوان الإنشاء فی اصفهان, والزاکانون کما جاء فی تاریخ کزیده التاریخ الممنتخب لحمدالله المستوفی فی القرن الثامن الهجری فرع من عرب خفاجه، سکنوا منطقة قزوین وأصبحوا من کبار الملاک والأعیان.
ملح وطرائف عبید الزاکانی:
عبیدالله الزاکانی من أئمة الظرف والظرافة فی تاریخ الثقافة الاسلامیة عامة وفی الأدب الفارسی الاسلامی خاصة، وکثیر من الباحثین فی تاریخ الادب الفارسی وکاتب هذه السطور منهم یمیل الى اعتبار عبید الزاکانی عمید فن الظرف فی ایران، فإذا کان (جحا) عمید الفکاهة الشعبیة فی الأدب العربی وملا نصر الدین عمید الظرف الشعبی فی الأدب الترکی فلا شک ان عمید الفکاهة الشعبیة فی ایران هو عبید الله الزاکانی دون مدافع.
کان الزاکانی قد تفرغ للفاکهة والملح والنوادر الفارسیة تفرغاً شبه تام فقد تناول فی رسائله الکثیرة قواعد الفکاهة واصول الملح والنوادر التی زخر بهما الأدبین العربی والفارسی, فقد حدثنا عن الظرف والظرفاء من الحکام والوزراء والکبراء والأعیان، وحدثنا عن ظریفات النساء والجواری، وعن الحمقى والمجانین وما یتظرفون به من وحی العقل والخبال.
کما حدثنا عبید عن حیاة الظرفاء فی الزی واللباس واتخاذ النعال والخفاف, ومناهجهم فی التختم والتعطر والتطیب وعن انواع الطعام الذی تمیزوا به، وما هی الاشیاء التی تعجبهم، وما الأمور التی یتطیرون منها، وأی الألفاظ والأفعال والامثال والاشعار والحکم کانوا یختارون اذا تحاوروا وتراسلوا وتکاتبوا وتفاکهوا.
وما العبرة من هذه المساخر التی عرضها علینا الزاکانی؟.
کان المجتمع الفارسی فی عصر عبید الزاکانی فی القرن الثامن الهجری قد انحدر الى درک التفسخ الأخلاقی والانقسام السیاسی والتحلل الاجتماعی بعد الفتن الکثیرة المتلاحقة التی عانت منها ایران منذ الهجوم المغولی على ید جنکیز خان فی القرن السادس الهجری حتى الغارات الوحشیة التی شنها تیمورلنک فی القرن الثامن الهجری, فکانت السخریة والفکاهة احد الاسلحة التی شهرها الفرس فی وجوه أعدائهم، وکان عبید الزاکانی قائد هذه الفرق الساخر الذی کشف الزیف والتردی والبؤس الذی انحدرت الیه ایران من خلال السخریة والضحک وهو ضحک کالبکاء کما قال المتنبی.
والیک قارئی العزیز نماذج من مساخر الزاکانی:
1 قیل لصوفی: بع جبتک فقال: اذا باع الصیاد شبکته فبأی شیء یصید ؟.
2 جاع احد السلاطین المغول فقدمت له قدرة مملوءة من الباذنجان ولم یکن رأى الباذنجان من قبل فأکل أکلاً ذریعا وأعجب بهذا الطعام فنظم شاعر البلاط قصیدة عصماء فی فصائل الباذنجان, وطلب السلطان طعام الباذنجان مرة أخرى فلم یستسغه فنظم الشاعر قصیدة غراء فی مثالب الباذنجان فقال السلطان: أیها الأحمق لقد مدحت الباذنجان بالأمس فما بالک تهجوه الیوم؟.
فأجاب الشاعر: أنا شاعر السلطان ولست شاعر الباذنجان.
3 قال احد المهرجین لولده: علیک ان تتعلم کیف تغری الکلاب بالقفز وتخطی السیاج الناری، کما علیک ان تعلم القردة کیف ترد تحیة الجماهیر الحاشدة وإلا ارسلتک غداً الى المدرسة حیث تقضی عمرک فی تعلم اشیاء لا خیر فیها وتصبح شیخاً لا تستطیع الحصول على لقمة عیشک فتموت جوعاً.
وللقارىء أن یستخرج العبر من هذه الطرائف بل السهام الموجهة الى المجتمع الفارسی المنحل یوم ذاک.
(6) الأثر والتأثیر الموسیقی بین العرب والفرس
الحدیث عن بدایات الأثر والتأثیر بین الموسیقى العربیة والفارسیة حدیث طویل ومتشعب ومعقد، ولکن یکفی من القلادة ماأحاط بالعنق کما یقول المثل العربی الشهیر.
إن من یطالع کتاب الأغانی لأبی الفرج الأصفهانی یدرک الدور الکبیر والسهم الوافر الذی ساهم به الفرس فی تطویر الموسیقی العربیة، فجمهرة الأصوات فی الغناء العربی أصوات لموالٍ من الفرس بالدرجة الأولى.
والغناء هو الموضوع الرئیسی فی کتاب الأغانی وقد صدر أبو الفرج کتابه بذکر المائة صوت التی أمر الرشید العباسی باختیارها من بین الأصوات الموسیقیة على ید لجنة من اعلام الموسیقیین، برئاسة ابراهیم بن اسحاق الموصلی واسماعیل بن جامع وفلیح بن العوراء.
ولقد وصف العلامة بن خلدون الأغانی قائلا: ولعمری انه دیوان العرب وجامع أشتات المحاسن التی سبقت لهم فی کل فن من فنون الشعر والتاریخ والغناء وسائر الأحوال، ولایعدل به کتاب فی ذلک فیما نعلمه، وهو الغایة التی یسمو الیها الأدیب ویقف عندها .
ومعلوم أن الموسیقى العربیة منذ بدایتها الأولی، ومنذ فارقت مرابعها فی الصحراء کانت تدین للصوت الفارسی بالکثیر، ولعل هذا الأثر والتأثیر یلقی ضوءاً ساطعاً على سر غلبة المصطلحات الفارسیة فی الموسیقی العربیة مثل (یکاه، دوکاه، سه کاه، جهار کاه، بم، زیر، نای، سرنای، طمبور، کمان) وغیرها من الکلمات والمصطلحات الموسیقیة الفارسیة التی تزخر بها الموسیقی العربیة الى الیوم, ولم تکن الغلبة للموسیقى والأصوات الفارسیة على الموسیقی العربیة فی الشرق فقط حیث قد یفسر ذلک التأثیر بحکم الجوار اللصیق بل أن ذلک التأثیر المتبادل بین الموسیقى العربیة والفارسیة یلاحظ فی المغرب الأقصى والأندلس حیث عبرت الموسیقی الفارسیة البحر وذاعت بین العرب فی الأندلس أولاً ثم بین الأوربین بعد ذلک.
فقد سمعنا بسیرة زریاب ومؤنس البغدادی وأثرهما العظیم فی شمال افریقیا (تونس تحدیداً), فقد اشاع زریاب الموسیقى الشرقیة والأجواء الفنیة العراقیة فی تونس اشاعة عظیمة، حیث لاذکر الغناء فی افریقیا الا برز زریاب کأکبر اعلامه هناک.
بل لقد کان من أثر انتشار الموسیقى فی أسبانیا أن انتقلت نماذج منها إلى أمریکا الجنوبیة حین فتح الأسبان العالم الجدید، فکان من الوان الثقافة التی تلقفتها أمریکا الجنوبیة من العرب الموسیقى التی حملها المدجنون الأسبان الذین رافقوا فتوحات (فاسکودوجاما) وغیره من الفاتحین الأسبان للدنیا الجدیدة، وکل من یستمع الیوم الى الجیتار الأمریکی سیلحظ الشبه الکبیر بین الحانه والحان الآلات الشرقیة عامة والفارسیة على وجه الخصوص.
الموسیقى جزء من حضارة أیة أمة تنتمی ألیها، فهی فی دلالاتها على مصدرها کدلالة البصمات على اصحابها, وعندما یستمع الأنسان الى السنتور الفارسیة (آلة موسیقى شهیرة) یخیل ألیه أنه یستمع الى الجیتار الغجری فی ید راقصة اسبانیة.
ولعل ذیوع الموسیقى العربیة والفارسیة وتأثیرهما فی کثیر من أنواع الموسیقى الأجنبیة، لعل ذلک یعود الى ان الحضارة الفارسیة حضارة انتشاریة.
فما کادت الحضارة الإیرانیة تزدهر على ید کوروش الکبیر حتى انتشرت شرقاً وغرباً، وتجاوزت حدود إیران الجغرافیة، وترکت طوابعها الممیزة فی کثیر من أجزاء العالم.
وما حضرت مناسبة اجتماعیة سارة فی إیران الا کان من بین فقرات الحفل غناء عربی أو موسیقى خالصة واغلب المطربین فی ایران یتدرب على الأغان العربیة ویحفظ الموسیقى العربیة قبل أن یبرز فی میدان الغناء.
ألیس فی هذا دلیل على عمق الأثر والتأثیر المتبادل بین الموسیقى العربیة والفارسیة.
(7) التبادل اللغوی بین العرب والفرس
بحکم هذا الجوار الجغرافی بین العرب والإیرانیین، فکما یعرف القارىء لا یفصل بین الجزیرة العربیة وإیران إلا هذا الخلیج المائی المعروف، لذلک لم تکن إیران لتنتظر مجیء الاسلام لتتأثر وتؤثر فی جیرانها العرب.
صحیح أن العلاقات العربیة الفارسیة قد نضجت واکتملت وبلغت الأوج بدخول إیران الاسلام أو دخول الاسلام الى إیران.
لقد کانت اللغة الفارسیة أول لغة أجنبیة عرفها عرب الجزیرة منذ فجر التاریخ، وهکذا نرى ان العلاقات اللغویة بین العرب والفرس أقدم کثیراً مما یظن کثیر من الدارسین, فأحادیث رستم واسفندیار وتهاویل الفرس وأساطیرهم القدیمة وأغانیهم وأسمارهم کانت معروفة لدى العرب یتناولونها فی أوقات لهوهم وفراغهم، بل تذهب بعض الأساطیر الفارسیة الى وجود نسب بین الضحاک العربی وبعض أکاسرتهم وأن ملوک فارس کانوا یحرصون على العلاقات العربیة الفارسیة أشد الحرص، وما تاریخ علاقات المناذرة والأکاسرة بغریب عنّا، فقد کان المناذرة یحکمون شرقی الجزیرة أصالة حینا ونیابة عن الأکاسرة فی بعض الأحایین.
والقوافل التجاریة لم تنقطع قط عن القیام برحلاتها من إیران الى الجزیرة العربیة ومن الجزیرة الى إیران والهند والصین.
کانت اللغة أهم الأشیاء التی تبادلها العرب والفرس، فقد کان (کما نرى فی کتب السیر) بعض تجار العرب یقضی جل وقت فراغه بعد أن یفرغ من مشاغل البیع والشراء وعقد الصفقات فی الاستماع إلى أقاصیص الفرس ونوادرهم وأحادیثهم وأساطیرهم, فإذا عاد هذا التاجر أو جماعة التجار الى قبائلهم حدث بما سمع وحفظ ورأى واستوعب من أحادیث القوم, وکما نعلم فالأدب الشفهی سریع الذیوع والانتشار بین الناس.
وهذه الأوراق الأسبوعیة لیس لها أن تتسع للإفاضة فی الأثر والتأثر اللغوی المتبادل بین العرب والفرس، ویستطیع من یرید المزید أن یرجع الى الکتب التی ألّفت فی هذا الباب وهی کثیرة، وربما کان کتاب (المعرب للإمام الجوالیقی، وفقه اللغة للثعالب ی) من أهم الکتب.
وکلنا نستخدم جمیعاً مفردات فارسیة بشکل یومی ونحن لا نعرف ذلک، فلقد حصلت تلک المفردات على الجنسیة العربیة منذ أمد بعید.
فکلنا یبدأ یومه بطبق الفول العتید على الفطور، ولا بد من (التمیس) مع الفول، فهل تعلم قارئی الکریم أن التمیز کلمة فارسیة بمعنى نظیف وأرجح أن أصل الکلمة هو (نان تمیز) یعنی خبز نظیف، فأخذ الناس الصفة (تمیز) وترکوا الموصوف (الخبز) على طریقة العامة دائماً فی المیل الى الاختصار.
وما دمنا عند الفوال فلا بأس من شرح کلمة (طرشی)، فهو من لوازم الفول، وهی الأخرى فارسیة أصیلة بمعنى مالح, کما أن التمیز لا بد أن یکون (طازجاً) وهذه الأخرى کلمة ثالثة فارسیة الأصل وهی تعنی جدید صالح طری وربما کان دکان الفوال یقع فی طرف الدروازة، فها نحن أمام کلمة رابعة من أصل فارسی، فالدروازة هی بوابة الحصن الکبیرة, وربما أردت بعد تناول وجبة الفطور الهنیئة أن تأخذ ملابسک من (الدولاب) فها أنت للمرة الخامسة تتعامل مع کلمة فارسیة، فالدولاب معناها الشقین، وربما احتجت وأنت فی مکتبک الى تجدید هواء الغرفة فلا بد من فتح (الدریشة), وها أنت مرة أخرى تستخدم کلمة فارسیة فالدریشة تعنی النافذة.
قد یسأم أحدنا من رکوب سیارته ویفکر فی السیر على قدمیه (یکشت فی الشارع) ها أنت یاعزیزی القارىء تستخدم کلمة فارسیة وهی (یکشت)، أی یتمشى دون هدف معیَّن, بینما الإیرانی عندما یقوم بنفس هذا النشاط فأنه یقول (تماشا) فهو یستخدم الکلمة العربیة بینما حضرتکم وحضرتی معکم نستخدم مفردة أعجمیة، وربما تناولت فی ورقات قادمة هذا التداخل والتعارض المفرداتی بین العرب والفرس، فإن بیننا وبینهم أشیاء کثیرة مشترکة وجدیرة بالتناول.
(8) الشاعر عارف القزوینی
فرغت لتوی من قراءة سیرة الزعیم الجنوب افریقی العلاق السید (نلسون ماندلا) وهی سیرة فذة بکل معانی الکلمة، وتمنیت لو أن کل الزعماء فی العالم یقومون بکتابة سیرهم الذاتیة، لأن فی تلک السیر صورا رائعة ومجیدة عن حیاتهم وتحرکاتهم، وخططهم البارعة فی تجنب الوقوع فی أیدی خصومهم خلال حیاتهم الخصبة المثیرة المشحونة بالدروس والعظات والعبر.
ذکرت هذه الفذلکة فی رأس ورقة الیوم لأخلص الحدیث عن الشاعرا لشعبی الفارسی المرحوم (عارف القزوینی) الذی لعب فی حیاة إیران الاحتلال الانجلیزی لمصر.
کانت سیاسة القبضة الحدیدیة هی اللغة الوحیدة التی عرفها حکام إیران القاجاریون لإخماد صوت المعارضة الإیرانیة الولیدة.
فی هذه اللحظات الحاسمة فی تاریخ إیران المعاصر سطع نجم عارف القزوینی فی سماء السیاسة الإیرانیة فأشعاره وکتاباته الملتهبة التی أیقظت الحماس وزرعت النخوة والإباء والکرامة فی نفوس الإیرانیین التی کانت تبحث عن قیادات وزرعت توجه خطواتها للتصدی للظلم والطغیان الداخلی ممثلا فی حکم القاجاریین، والضغوط الاجنبیة متمثلة فی الاطماع البریطانیة فی جنوب إیرانو والتحرشات الروسیة فی شمال إیران.
لقد صور عارف القزوینی قصة کفاح الفرس ونضالهم فی شعره وکتاباته تصویرا بارعا، مما یجعل دیوان شعره ومقالاته من أهم أدبیات السیاسة الإیرانیة المعاصرة ومن ذخائر الأدب الشعبی الفارسی الرفیعة، لا جرم اهتم الفرس بطبع آثار القزوینی وإعادة طبعها مرات کثیرةو وقامت حوله شخصه وأدبه دراسات أکادیمیة جادة ومثمرة.
الأبطال الشعبیون فی کل الأزمان ولدى کل الأمم تکثر الزخارف والمبالغات حول حیاتهم وبعد مماتهم أیضا, وهذا ما حدث لشاعرنا عارف القزوینی، فقد امتلأت حیاته بالطم والرم من الروایات الصحیحة والمدخولة والمخترعة لتسلیة البسطاء ورفع معنویات الابطال والمجاهدین فی میادین الکفاح المتعددة فی إیران.
عندما تتعرض کرامة أمة للتحدی فإننا نتوقع منها المقاومة والتصدی وهذا بالضبط ما أحس به الشعب الإیرانی فی فجر القرن العشرین، وتحدیدا منذ عام 1905م، فقد قامت فی ذلک العام حرکة سیاسیة عارمة تطالب نظام برلمانی دستوری، فتصدت لها السلطات القاجاریة الحاکمة، وأرادت وأد الحرکة فی مهدها.
ورغم أن السواد الأعظم من الإیرانیین یومذاک کان یعانی من الأمیة والجهل فإن عارف وجابلیة من شعراء الشعب الإیرانی استطاعوا باستخدام اللغة الفارسیة العامیة إثارة الاحاسیس القومیة فی نفوس العامة, وصارت الأغانی الحماسیة الشعبیة المطالبة بالدستور والنظام البرلمانی تتردد على ألسنة الجمیع فی الشوارع والمقاهی والملاهی، خلال الأعیاد الکثیرة التی تکثر فی إیران.
ولو قدر لی یوماً أن أتناول فی هذه الورقات الفارسیة تاریخ الصحافة الإیرانیة المعاصرة فسوف أتحدث بشیء من الإشباع عن الدور الریادی الذی لعبه عارف القزوینی فی جعل الصحافة الإیرانیة مدرسة للشعب فی عصره، فقد کان عامة الشعب الإیرانی یتابع ما ینشره عارف فی الصحف، ولم تعد الصحافة وقفا على الخاصة بل صار الجمیع یقرأها ویفهم اللغة التی کانت تحرر بها القضایا الإجتماعیة التی تمس صمیم حیاة الناس.
وهل الصحافة شیء غیر ذلک؟
کان البیت الشعری الذی دأب عارف على تردیده وهو على سریر الموت هو بیت میسون بنت بحدل الکلابیة زوج الخلیفة الأموی معاویة بن أبی سفیان (رضی الله عنه).
فما أبغى سوى وطنی بدیلا
فحسبی ذاک من وطنی شریف
وفی سنة (1311ه,ق) أسلم عارف الروح الى بارئها ودفن الى جوار قبر الرئیس أبو علی بن سیناء.
صلات الفرس والعرب قبل الإسلام
دفاع الفرس عن الیمن قبل الإسلام وأثر ذلک فی الأدب العربی :
إنّ الحدود الجغرافیة بین الفرس والعرب أکثر من ألف کیلومتر وکانت هاتان الأمّتان جارتین منذ آلاف السنین ومازالتا وقد ربطت بینهما أواصر المحبة والودّ وحسن الجوار قبل الدین الإسلامی الحنیف وبعده، وخیر شاهد على ما نقول، أثر الصداقة الفارسیة العربیّة فی الأدب العربی قبل الإسلام.
فقد هاجم الأحباش جنوب الجزیرة العربیة عن طریق البحر الأحمر وذلک قبل ظهور الدین الإسلامی الحنیف، ودافع الفرس عن العرب هناک حیث کانت تربطهم أواصر المودة مع قبیلة (حِمیَر) وهی من القبائل العربیة الکبیرة، فقد عبَر الجنود الإیرانیون میاه الخلیج الفارسی حتى وصلوا إلى جنوب الحجاز وقضوا على الأحباش وأنقذوا أبناء حِمیَر مما لحقهم من ظلم على أیدی الأحباش، وذکر المسعودی فی کتابه (مُروج الذهب) شعراً لأحد الشعراء الفرس الذین کانوا ینظمون أشعارهم باللغة العربیة، ذکر هذا البیت :
نَحْنُ خُضْنا البحارَ حتى فککنا حمیراً من بلیةِ السودانِ(1)
والمقصود بکلمة (السودان) الأحباش الذین کانت لهم بشرة سوداء.
وقد أعجب البحتری، الشاعر العربی الشهیر فی القرن الثالث بدفاع الفرس عن حِمیَر والیمن وصنعاء وعدن قبل الإسلام فنظم قصیدة غرّاء أثنى فیها على الفرس وذکرها المسعودی أیضاً وننتخب منها هذه الأبیات التی یخاطب فیها البحتری أبناء فارس:
فَکَمْ لَکُم مِن یَدٍ یَزکُوا الثناء بها ونعمةٍ ذکرها باقٍ على الزمنِ
إن تفعلوها فلیست بِکْرَ أَنعمکُم ولا یدٌ کأیادیکُمُ على الیمنِ
إذْ لا تَزالُ خیولُ الفُرسِ دافعةً بالضَّرْ بِ والطعنِ عَنْ صنعا وعن عدنِ
أنتم بنو المنعمِ الُمجدی ونحنُ بنو من فاز منکم بفضل الطول والمِنَنِ(2)
الروم لم یساعدوا العرب أمام الأحباش والتاریخ یعید نفسه :
إنّ لهجوم الأحباش على الیمن التی کان یحکمها سیف بن ذی یزن قصة طویلة وفیها عبرة للعرب على طول التاریخ، فبعد هجوم الأحباش ظن سیف بن ذی یزن أنّ الروم سیساعدونه فی طرد الأحباش (ومضى إلى قیصر ـ ملک الروم ـ یستنجده فأقام ببابه سبع سنین فأبى أن ینجده) (3)، ویا للعجب، أن سیف بن ذی یزن أمضى سبع سنین ملتمساً عند باب قصر ملک الروم ولم یسعفه قیصر، وبعد تلک السنین العجاف، رجع سیف بن ذی یزن خائباً، فاتجه إلى بلاد فارس وکان ملکهم أنوشیروان، واستجاب أنوشیروان لما أراده ملک الیمن الذی هجم علیه الأحباش وجهز جیشاً لمساعدة عرب الیمن بقیادة قائد فارسی إسمه: وهرزا صبهذ الدیلم (فوجه معه ـ الجیش الفارسی وقائده ـ وهرزا صبهذ الدیلم... ـ وحمل الفرس على الأحباش ـ فانکشفت الحبشة وأخذهم السیف... فقُتل منهم نحو ثلاثین ألفاً) (4).
وابن الأثیر الموصلی ذکر هذه الواقعة فی کتابه «الکامل فی التاریخ» وقال عن دفاع الفرس عن عرب الیمن أمام الأحباش (وحملت الفرس علیهم فلم یکن دون الهزیمة شیء وغنم الفرس من عسکرهم ما لا یُحَدُّ ولا یُحصى) (5).
وأضاف ابن الأثیر أنّ الجیش الفارسی بقیادة (وهرز) رجع إلى إیران بعد تحریر الیمن من الأحباش، فانتهز الأحباش هذه الفرصة وهجموا مرة أخرى على الیمن ولکن، کان الفرس لهم بالمرصاد، حیث أن (کسرى بعث إلیهم وهرز فی أربعة آلاف فارس وأمره أن لا یترک بالیمن أسْوَد) (6) من الأحباش.